مدونة مراقى الصالحين

الأربعاء، 9 مايو 2012

ثورة على النفس


ثورة على النفس
الخطبة الأولى:
الحمد لله رب العالمين، الذى أكرمنا وكرَّمنا وجعلنا من عباده المسلمين، وأعزَّنا بعز شرعه فى الدنيا بين الخلق أجمعين، ونسأله عز وجل أن يتم علينا النعمة أجمعين فيجعلنا من الفائزين الناجحين يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، بيده مقاليد الأمور، وتصريف الدهور، سبحانه سبحانه هو وحده الذى يُغَير ولا يَتغير، ويُحَول ولا يتحول، ويُقَلب ولا يتقلب، ويُصَرف ولا يتصرف، بأنه وحده هو الفعال لما يريد، وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله، النجم الساطع بين النبيين والمرسلين، والذى أصلح به مولاه أمور الدنيا وتعاليم الدين، وجعل الخلق به بعد الذلة يعزون، وبعد الفقر يستغنون، وبعد التفرقة يجتمعون، وجعلهم به خير أمة أخرجت للناس أجمعين، اللهم صلى وسلم وبارك على سيدنا محمد وارزقنا هداه، ووفقنا أجمعين للعمل بشرعه يا الله، واجعلنا أجمعين تحت لواء شفاعته يوم الدين، واحشرنا فى زمرته فى رياض جنات النعيم أجمعين ...... آمين آمين يارب العالمين.
وبعد أيها الأخوة المؤمنون:
الحمد لله الذى أكرمنا فى بلدنا وغيَّر حالنا وأصلح شئوننا، ولكن أريد أن أهمس فى آذان إخوانى الحاضرين والسامعين أجمعين، أنه لن يتغير حالنا إلى أحسن حال، ولن تفيض الأرزاق وتزيد الأموال إلا إذا غيَّرنا ما بنفوسنا، لابد لنا من ثورة فى نفوسنا أجمعين، نساءاً ورجالاً، شباباً وشيوخاً، أفراداً وجماعات، لأن الله عز وجل يقول: { إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ } [11الرعد] وما الذى فى نفوسنا أو فى نفوس البعض ويحتاج إلى التغيير؟ لابد أن نقتلع الأنانية من جذورها، ويكون الفرد أحرص على الجماعة من نفسه لقول الحبيب صلى الله عليه وسلم فى ذلك: { لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه } فتتلاشى النزعات الفردية، والأهواء الفردية فى سبيل المصلحة العامة الجامعة التى فيها خير لهذه الأمة المحمدية، ننتزع الأحقاد من جذورها، نقتلع الأحساد والبغضاء من صدورنا، ونكون كما وصف الله المؤمنين – ونحن إن شاء الله منهم – فى كتابه: { وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ } [47الحجر] لابد أن ينزع المؤمن كل ما فى قلبه من الأشياء الفردية التى تجعله يُؤثر نفسه على غيره، ويُفضل مصلحته الشخصية على مصالح الجماعة، وكل تكالبه على شهوته أو حظه أو على ما يرجوه فى هذه الساعة، ولا شأن له فى الآجل والعاجل بشأن الجماعة، لأن هذا هو أُس المرض الذى أخَّرنا هذه السنين الطوال، وكل من يجرى محاسبته الآن، وما نراه وما نقرأه لهذا المرض اللعين الذى استشرى فى صدورهم، ولذلك إذا أردنا إصلاح أحوالنا أجمعين لابد أن نعالج هذه الأمراض فى قلوبنا، قال حبيبى وقرة عينى صلى الله عليه وسلم: { إن فى الجسد لمضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهى القلب } وكان صلى الله عليه وسلم جالساً فى يوم بين إخوانه من الأنصار والمهاجرين، وجاء رجل عليه أثر الوضوء من بعيد، فقال حضرة النبى صلى الله عليه وسلم عندما رآه: { يدخل عليكم الآن رجل من أهل الجنة } فجلس الرجل فى مجلس حضرة النبى، ثم بدا له أن يقوم فقام، فقال صلى الله عليه وسلم فى شأنه:
{ قام عنكم الآن رجل من أهل الجنة } ورُوى أنه تكرر منه هذا الحوار ثلاث مرات، وكان فى المجلس عُبَّاد الصحابة، وكان منهم عبد الله بن عمر رضى الله عنهما، وعبد الله بن عمرو رضى الله عنهما، وكانا يقومان الليل كله بين يدى الله راكعين ساجدين، ويصومان الدهر كله إلا الأيام التى حرَّم صيامها سيد الأولين والآخرين، فقالا فى نفسيهما وما العمل الذى يزيد به هذا الرجل علينا ليكون من أهل الجنة؟! فأخذهما الفضول فذهب أحدهما إلى بيته، ولما دقَّ عليه الباب وفتح له زعم أنه جرى خلاف بينه وبين أبيه ويطمع فى استضافته، فأضافه، وانتظر يراقب عمله، *** يجده يقوم بعد صلاة العشاء إلا قبل الفجر بساعة ويتوضأ ويذهب لحضور صلاة الفجر مع الحبيب فى الجماعة، وفى الصباح يُقدم له الفطور ويفطر معه، وفى اليوم الثانى كذلك وفى الثالث كذلك، فقال له: يا عماه لم يحدث بينى وبين أبى خلاف ولكنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فى شأنك: { يدخل عليكم الآن رجل من أهل الجنة } ويقول بعد قيامك: { قام عنكم الآن رجل من أهل الجنة }فما العمل الذى تعمله وتستوجب به ذلك؟ قال: والله لا أزيد عما رأيت، ولما رأى الحيرة فى وجهه قال له: غير أنى أبيت وليس فى قلبى غل ولا غش ولا حقد لأحد من المسلمين، قال: فبذلك، فذهب عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإذا به صلى الله عليه وسلم يوجه الخطاب له ويقول: { يا بنى إن استطعت أن تبيت وليس فى قلبك غل ولا غش ولا حقد لأحد من المسلمين فافعل فإن ذلك من سنتى ومن فعل سنتى كان معى فى الجنة } هذا حال مجتمع المؤمنين الذين أصلح الله بهم الدنيا، وأصلح الله لهم شئونهم أجمعين، محو الفردية من نفوسهم، وأصبح كل همهم فى مصالح الجماعة، وفى الحرص على إخوانهم، ناهيك عن أن الله عز وجل جعل عبادة هذه الأمة الفاضلة بعد الفرائض هى التى تتعلق بالخلق، ليس العبادة التى ترفع المرء درجات عند الله قيامه الليل قائماً أو راكعاً أو ساجداً، أو صيامه الدهر، أو تلاوته لكتاب الله، أو تسبيحه وتهليله وذكره لله، لأن كل ذلك عمل صالح يقول فيه الله: { مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ }[15الجاثية] أما العمل الأكبر فى الفضل والغنيمة عند الله هو الذى يتعلق بخلق الله، وقد أوجب النبى صلى الله عليه وسلم لكل مسلم حقوقاً فى أعناق إخوانه المسلمين أجمعين، وإذا كان المسلم يتغاضى عن المطالبة بحقوقه فى الدنيا فإن الذى يطالب بحقوقه يوم القيامة هو أحكم الحاكمين ورب العالمين عز وجل، جعل لك حقاً على كل مسلم أن يُسَلم عليك إذا قابلك، وحق على كل مسلم فى عنقك أن تُسَلم عليه إذا لقيته سواء عرفته أو لم تعرفه، لأن الحبيب قال لأبى هريرة رضي الله عنه: { يا أبا هريرة ألق السلام على من عرفت ومن لم تعرف ينشرح صدرك للإسلام } أين نحن الآن من هذه الشعيرة؟ أين نحن الآن من هذا الحق؟ إذا دخلت المسجد تُسَلم على الحاضرين، وإذا خرجت من المسجد تُسَلم على من تراهم فى الشارع، وإذا دخلت بيتك تُسَلم على أهلك، وإذا خرجت من عندهم تُسلم مودعاً لأهلك، لا تمر على مسلم تعرفه أو لا تعرفه إلا وتُلقى عليه السلام بتحية الإسلام، لا يجوز أن تحييه بما نقول كصباح الخير أو مساء الخير، أو ما شابه ذلك إلا بعد السلام لأنه تحية الإسلام، ينبغى على كل مسلم حقوق سأسردها عداً لأن شرحها يحتاج إلى وقت طويل، يقول فيها صلى الله عليه وسلم: { حق المسلم على المسلم أن يُسَلم عليه إذا لقيه، وأن يعوده إذا مرض، وأن يُشَيع جنازته إذا مات، وأن يُعينه إذا احتاج، وأن يُهنأه إذا فرح، وأن يُعذيه إذا أصيب } حقوق وواجبات لابد لكل مسلم أن يقوم بها لإخوانه حتى يكون المسلمون أجمعون كرجل واحد أو كأسرة واحدة يقول فيهم الله: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } [10الحجرات] فإذا لم يقم بهذه الحقوق وكان يوم الدين، يأتى رب العالمين بالرجل الذى قصَّر فى حقوق إخوانه المسلمين ويقول: { عبدى مرضت *** تعدنى، فيقول: سبحانك تنزهت كيف تمرض وأنت رب العالمين؟! فيقول: مرض عبدى فلان *** تعده، ولو عدته لوجدتنى عنده } من الذى نزوره فى حيز نطاقنا؟ قال الحبيب لنا: { امشى ميلاً وزر مريضاً } أى يجب عليك أن تتحسس المرضى وخاصة الفقراء على مسافة كيلو مترين إلا ربع من جميع الجهات حتى يتكافل المؤمنون ويكونون يسعون لمنافع بعض ويرفعون شأن بعض، ثم يقول: { عبدى جعت *** تطعمنى، فيقول العبد: سبحانك تنزهت كيف تجوع وأنت رب العالمين؟! فيقول: جاع عبدى فلان ولو أطعمته لوجدت ذلك عندى } أما المؤمن الذى يأكل فى بيته وسكنه ما لذ وطاب ولا يحس بمن حوله فيقول فى شأنه الحبيب: { والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن من بات شبعان وجاره جائع ولا يشعر به } لابد أن يستشعر هذا لإخوانه المؤمنين، أما من يغش المؤمنين فى كيل أو وزن أو بيع أو شراء أو كلام أو غيره فيقول فيه الحبيب: { من غشنا فليس منا } ليس من أمة الحبيب المختار، ومن يُخزِّن الطعام فى وقت ليُغلى سعره على المؤمنين يقول فيه صلى الله عليه وسلم: { من احتكر قوتاً ليُغلى على المؤمنين أسعارهم فليتبوأ مقعده من جهنم } والقوت هو الطعام الذى يؤكل كالدقيق والخبز والسكر والزيت أو ما شابه ذلك، فليس من المسلمين من يفعل ذلك لأنه وصف المسلمين فقال: { ترى المؤمنين فى توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى رأسه اشتكى كله } أو كما قال: { ادعو الله وأنتم موقنون بالإجابة }
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، الذى يُعز من يشاء ويُذل من يشاء ويؤتى الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء بيده الخير وهو على كل شئ قدير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، من تمسك بشرعه هداه، ومن هداه إلى قربه آواه، ومن آواه جعله فى أرغد عيش فى الدنيا وأسعد حال يوم لقياه، وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله، التقى النقى، الذى جعله مولاه رحمة تامة سابغة للخلق أجمعين، اللهم صلى وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله الطيبين وعلى صحابته المباركين، وعلى كل من اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وعلينا معهم أجمعين .... آمين آمين يارب العالمين.
أيها الأخوة المؤمنون:
دعانا الله عز وجل أجمعين إلى أن نتكاتف ونتعاون ونتماسك لنصلح شأن بلدنا وشأن أوطاننا وشأن كل شئ هو لنا، لا نقول الحكومة ونقف صامتين ونسعى إلى المظاهرات بين الحين والحين مطالبين الحكومة التى لم تثبت أقدامها بعد
بما لا تستطيع أن توفيه، وإنما نضع أيدينا فى أيدى بعضنا ونكون كما قال الله: { وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ } [105التوبة] نعمل ونبدأ العمل والله عز وجل لا يضيع أجر من أحسن عملا، ونوقف هذه التُرهات وهذه الخلافات، ونعين شبابنا على ترشيد أمورهم وعلى تصويب أفكارهم وعلى الأشياء العظيمة التى يقومون بها لبلدهم، فنجدهم يسعون لتجميل الشوارع والميادين، لماذا لا نشاركهم؟! من شاء فليشاركهم بماله، ومن شاء فليشاركهم بنفسه، ومن شاء فليشاركهم بما يستطيع لأن الإسلام كما قال نبيه: { بنى الإسلام على النظافة } ديننا دين النظافة، يحب نظافة البيوت ونظافة الشوارع ونظافة الأفراد، دين يحرص لكل من يحضر صلاة الجمعة أن يغتسل ويلبس أحسن ما عنده ويضع أفخر عطر عنده حتى تكون المساجد كلها معطرة ولا يُشم فيها إلا الروائح الطيبة، ويأمر القائمين على المساجد أن يجمرونها بالبخور، فالمساجد تكون رائحتها بخور والأشخاص رائحتهم عطرة، هكذا حال هذا الدين لأن الله كما قال صلى الله عليه وسلم: { إن الله جميل يحب الجمال } فأعينوا شبابكم على تجميل بلدتنا وشوارعنا بما تستطيعون، وقولوا للناس حسناً، وإياكم والغيبة والنميمة فإن هذا زمان تكثر فيه الغيبة والنميمة، لا تسب أحداً إلا إذا تحققت، ولا تتكلم فى حق أحد إلا إذا وقعت فى يديك مستندات، لأن المسلم كما قال فيه صلى الله عليه وسلم: { كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه } وإذا وقعت معك المستندات فهناك جهات خُصصت لذلك فأرسلها إليها وهى تتولى ذلك، لكن علينا فى هذا الوقت الكريم أن نعمل بقول حبيبنا صلوات ربى وتسليماته عليه: { إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه }.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
خطبة الجمعة لسماحة الشيخ فوزى محمد أبو زيد بتاريخ29 من ربيع الأول1432هـ 4/3/2011م


غرس الإيمان


غرس الإيمان
الشيء الوحيد الذي يحفظ العبد من الافتتان ويوفقه للرضا عن الله في كل وقت وآن هو غرس الإيمان في صدره وتثبيت جذوره في قلبه ولذلك فإننا نتسائل لماذا أمرنا الله عزَّ وجلَّ أن نحتفي كل عام بالأعمال التي قام بها إبراهيم وزوجاته وإسماعيل؟ و يجيب الله على ذلك فيقول في كتابه {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ} دروس عظيمة ومن جملة هذه الدروس درس سار عليه خليل الله وكل أنبياء الله ورسله هذا الدرس جعلهم في حياتهم الدنيا يعيشون حياة هانئة زوجات قانتات مطيعات وأبناء بررة كرام لا يحدث بينهم وبين زوجاتهم مشكلات ولا بينهم وبين أبنائهم معضلات ولا خلافات ولا منازعات ناهيك عن فضل الله العظيم وثوابه الكريم في الدنيا ويوم الدين ما هذا الدرس الذي نريد أن نتعلمه أجمعين؟ هذا الدرس يشير إليه الخليل إبراهيم ومن بعده اسحق ويعقوب ومن وليهم وتبعهم من النبيين فيحكي عنهم الله قولهم {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } الدرس الأول الذى يلقنونه لأبنائهم وزوجاتهم هو الإيمان بـالله عز وجل الثقة في الله وتفويض الأمور كلها لحضرة الله والإعتماد في قضاء كل مصلحة وكل ملمة وكل أمر على حضرة الله والاستعانة بتوفيق الله ومعونة وقوة الله
على إنجاز أي أمر أو أي مهمة وإذا جاءت مشكلة أو كارثة أو نكبة رفعوا الأمر إلى الله وفوضوه لحضرة الله فيدفع الله عنهم ببأسه وقوته كل كرب وكل شدة ذلكم هو ملخص قصة إبراهيم وزوجاته وأبنائه أجمعين أول درس يلقنه له قبل تعلم اللغات وقبل دراسة الرياضيات وقبل الجلوس أمام الكمبيوترات وقبل مشاهدة الشاشات والفضائيات أن نحصن قلوبهم بتقوى الله وأن نملأ صدورهم بمراقبة الله ونعلمهم علم اليقين قول الله جل في علاه{مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} وبعد ذلك {ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ} وإذا استوعبوا هذا الدرس نم قرير العين فإن زوجك لن تعصى لك أمراً وإن ابنك لن يخالفك في طرفة عين أو أقل لأنهم معك في تقوى الله وطاعة الله حتى ولو أحاط بهم ألد الأعداء ووجهوا بأعتى الطغاة فإن الله يجعل لهم مخرجاً ببركة تقوى الله جل في علاه تلكم هذه القصة : هذه هي الزوجه الجميلة التى كانت أجمل نساء حواء بعد حواء السيدة سارة ساقها الجنود الأشداء إلى فرعون مصر وكان رجلاً شهوانياً لا تعرف الرحمة إلى قلبه سبيل ماذا تصنع بعد أن اختلى بها والجنود يحيطون بالمكان من كل الجهات؟ رفعت القلب والأكف إلى من بيده الخلق والأمر كله وهي تعلم علم اليقين قول رب العالمين {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} ماذا كانت النتيجة؟مد يده إليها فشلت يده فاستغاث بها وقال لها: إدعي ربك أن يحل عن يدي ما هي فيه وأعاهدك ألا أمدها إليك مرة ثانية فدعت الله فاستجاب لها الله ففكت يده بأمر الله لكن الشيطان دار برأسه ونفسه لعبت بجسمه وحسه فنكث وعده وهم بأن يمد يده إليها مرة أخرى ماذا كانت النتيجة ؟
تخشب جسمه كله إلا لسانه وأصبح وكأنه قطعة من الثلج فأسرع إلى الإستغاثة بها وصاح وبأعلى صوته يدعوا جنده ويقول لهم أخرجوا هذه الشيطانة من عندى ويعاهدها على أنها إن دعت الله فرجع إلى حالته فلن يمسها بسوء ويغنيها من خير الله وفضل الله جل في علاه العجب في هذه القصة ليس من تخشيب يده أو جسمه ولكن أنها إذا دعت الله يستجيب لها ويفك يده ويفك جسمه فكأنها معنية بقول الله {لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ } وكانت في ذاك الوقت لا تخشى من فرعون ولكنها كانت تخاف من شدة غيرة إبراهيم فأسرعت إليه وهي ترتجف من شدة الخوف خوفاً من الظنون التي ربما يظنها فيها والوساوس التى هى على يقين أن الله يحفظه منها ولكن النفس البشرية لها تداعيات إنسانية فلما وقفت أمامه وأرادت أن تحدثه قال لها : لا تخافي لقد كشف الله القناع عن بصري فرأيت كل شيء يحدث لك وأنا في مكاني {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ } فأعطاها فرعون جارية تخدمها وأعطاها من خيرات الله التي عنده ما تغنى به وزوجها أبد الدهر ولما كانت لا تنجب قالت برضاء خاطر:يا إبراهيم تزوج بهاجر لعل الله يرزقك بولد منها يكون قرة عين لي ولك فرزقه الله عزَّ وجلَّ منها الولد وإياك أن تصدق قول اليهود ومن عاونهم أنها غارت من هاجر وابنها فقالت له إرميهما في الصحراء لأنها لو كانت قد غارت من هاجر وابنها وطلبت منه أن يبعدهما عنها وإبراهيم رجل عاقل حكيم لكان أبعدهما في بيت آخر في نفس البلدة أو أسكنهما في بلدة قريبة فيها أناس يأتنسون بهم وفيها طعام وشراب وما يحتاجون إليه لكن لماذا أخذهما إلى الصحراء التى ليس فيها زرع ولا ماء ولا أنيس ولا شيء؟ ليعطينا الله عزَّ وجلَّ الدرس الأمثل في تعليم أنبياء الله فإن إبراهيم بمجرد أن تزوج هاجر كان أحرص ما يحرص عليه أن يلقنها درس الإيمان والثقة بالله جل في علاه قبل أن يقضي شهوته وقبل أن يقضي حاجته كانت مهمته الأولى مع زوجته أن يحصنها بتقوى الله وصدق الإيمان في الله جل في علاه ولذلك عندما تركها وابنها في هذا المكان ومشى دار هذا الحوار قالت له: يا إبراهيم لمن تتركنا هاهنا؟ فلم يجبها فكررت السؤال مرتين ولم يجبها فقالت في الثالثة: أالله أمرك بهذا؟ قال : نعم قالت: إذن لا يضيعنا فلم تنازعه ولم تحاكمه ولم تشاتمه ولم تقل له لائمة وهو حقها لم تتركنا في هذا المكان الذي لا زرع فيه ولا ماء فيه ولا أنيس فيه؟لكنه علمها أن الله لا يضيع أهل الإيمان بالله جل في علاه ولذلك عندما نفذ زادها ونفذ ماؤها وجاع صبيها واحتارت في رضاعه أخذت تمشي مهرولة بين الصفا والمروة وهي مسرعة تبحث له عن ماء وأخيراً وجدت الطيور فوقه فخشيت عليه فأسرعت إليه فوجدت الماء قد نبع من تحت قدميه وجبريل أمين وحي السماء يقف بجواره يحرسه من طغيان الماء لأن الماء فار ولو ترك الوليد لغرق في هذا الماء الذي خرج من هذه الأرض فأخذت تزمه وتقول زمى زمى وقال لها الأمين جبريل: يا أمة الله لا تخشي الضيعة فإن الله عزَّ وجلَّ قيض لهذا الوليد وأبيه أن يبنيا بيتاً لله في هذا المكان فاطمأنت إلى صنع الله وعلمت أن الله عزَّ وجلَّ لا يضيع من اعتمد عليه في أي شأن وفي أي أمر مهما انقطعت الأسباب لكن باب مسبب الأسباب يحل كل المشاكل في الوقت والحين لأنه يرزق من يشاء بغير حساب ثم إن الغلام كان أول درس لقنه له أبوه هو الإيمان هل يوافق ولد على أن يقوم أبوه بذبحه ويستسلم له ولا ينازعه؟ وهل يجرأ والد أن يشاور ولده في ذبحه؟بل إنه إذا أراد ذبحه يأخذه على غرة وفجأة ولا يشاوره لأنه يعلم مسبقاً أنه لن يرضى بهذا الصنيع لكن الأستاذ العظيم في الإيمان في الله
يعلم أن تلميذه النجيب في درس الإيمان بالله سيستسلم معه لأمر الله فقال له كما قال كتاب الله {يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى} لو قال له إن الله أمرني بذبحك لكان هذا سهلاً على الغلام أن يصدق به ويستسلم له ولو قال إن وحي السماء وأمير الوحي نزل بكتاب من الله يأمرني بذبحك لكان عليه أن يصدق ويستسلم لأمر الله لكن البلاء شديد قال {إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} ماذا قال الغلام الذي تعلم درس الإيمان؟{قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} من الذي عرف الغلام أن ذلك أمر وأن رؤيا الأنبياء وحي وأنها أمر من الله عز وجل؟ ثم انقلب الولد وإذ به هو الذي يسدي النصيحة لأبيه ويخاف على أبيه من أن يتقاعس في تنفيذ أمر الله الولد الذي سيذبح هو الذي يقول لأبيه يا أبت اشحذ المدية يعني حمي السكين جيداً واربطني جيداً بالحبال وكبني على وجهي حتى لا تنظر إلى وجهي فتأخذك الشفقة في تنفيذ أمر الله عزَّ وجلَّ وانزع القميص عنى حتى لا يقع عليه الدم فتراه أمي فتحزن الولد الذي سيذبح هو الذي ينصح الأب؟ نعم لا عجب لأنه الإيمان بالله جل في علاه الدرس الأول الذي علمه له أباه هو درس الإيمان بالله وفي الله جل في علاه ولما أوثقه وكتفه بالحبال قال: يا أبت ماذا تقول عني الملائكة أتقول أنى خائف من تنفيذ أمر الله عز وجل؟فك الحبال عني ولن يتحرك مني عضو ولن يضطرب مني عضو لأني سأستسلم لأمر الله جل في علاه فقد رأى أن الربط بالحبال يناقض التسليم الذي قال فيه المولى الكريم {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} فوضع إبراهيم السكين على رقبته ولم تقطع حتى أن الله عزَّ وجلَّ أمره أن يحدثها فقال لها: مالك يا سكين لا تقطعي عنق إسماعيل؟ فأنطقها الله وقالت له: وما للنار لم تحرق جسدك يا إبراهيم؟ وهنا نزلت العناية الإلهية وفداه الله بذبح عظيم كبش نزل من الجنة وهل الجنة فيها مراعي ترعى فيها الكباش؟إن الجنة يقول فيها الحبيب {فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر} والكبش تراه العين لكنه هو الكبش الذي قدمه هابيل عندما حدث خلاف بينه وبين أخيه قابيل وكان هابيل يرعى الأغنام فقدم كبشاً ثميناً وكان قابيل يشتغل بالزراعة فقدم زرعاً رديئاً فنزلت سحابة من السماء أخذت الكبش وصعدت به إلى السماء وأودعته في الجنة وظل في الجنة حتى نزل فداءاً لإسماعيل على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم السلام كان هذا المنهج النبوي هو الذي عليه الحبيب وصحبه الكرام فكانت زوجاتهم وبناتهم وأبناؤهم كلهم على تقوى من الله عزَّ وجلَّ فكانت البنت إذا خرج أبيها في الصباح لطلب الأرزاق هى التي تقول له: يا أبتاه تحرى لنا رزقاً حلالاً فإنا نصبر على الجوع ولا نصبر على النار وكان الرجل يمشي في الأرض ليس عليه شاهد إلا خالق السموات والأرض ويستحي من الله أن يراه الله عزَّ وجلَّ واقعاً في معصية تغضب الله جل في علاه فكانت المدينة المنورة في حياة آمنة مطمئنة هانئة لا يوجد فيها مشاكل ولا منازعات ولا خلافات بين الأفراد ولا بين الأسر ولا بين العائلات لأن قلوبهم كانت عامرة بالإيمان بالله ذهب سيدنا أنس بن مالك في جولة تفقدية إلى البصرة ليرى فيها أحوال المسلمين فوجد الغش في الأسواق والفساد في المعاملات ومثل هذه الأشياء وقد امتلأ بها هذا المجتمع فذهب إلى المساجد فوجدها عامرة بالمصلين ونظر إلى الكتاتيب فوجدها مليئة بالصبيان الذين يحفظون كتاب الله عن ظهر قلب فاختبرهم فوجدهم مع شدة حفظهم لكتاب الله يكذبون وينافقون ولا يتورعون فقال "كنا نتعلم الإيمان قبل القرآن وأنتم تتعلمون القرآن قبل الإيمان" كانوا يتعلمون الإيمان أولاً فإذا تعلموا القرآن راقبوا حضرة الرحمن عزَّ وجلَّ ونحن والحمد لله القرآن في كل ربوع بلادنا يتلى وما أكثر حفاظه وما أكثر التالين له والقارئين له والمساجد عامرة لكننا نحتاج لكي نرتاح في بيوتنا ونطمئن على أولادنا ولا يحدث ما يفسد العلاقات التي بيننا وبين زوجاتنا أو بيننا وبين إخواننا إلى أن نوثق الصلة التى في قلوبنا بالله جل في علاه فهذا هو العلاج الوحيد لما تفشى في مجتمعنا من أمراض أخلاقية وأحوال نفاقية وأمور استعصت على الحل بالقرارات الوزارية والقوانين الدستورية فإنه لا يصلحها إلا تعلق القلوب بعلام الغيوب عز وجل. 
كيف يحبك الله

برهان صدق الإيمان



برهان صدق الإيمان


أنزل الله بني الإنسان إلى هذه الأكوان على أدوار بعد أن صنع هذا الهيكل من أطوار ليرى صدق إيمانهم ومدى صفاء ردودهم فيعطي لكل منهم درجاته التي إدخرها له عنده عزَّ وجلَّ ولذلك أشار إلى هذه الحقيقة وقال عزَّ شأنه {الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} وهذا لا يكون لماذا يا رب؟{وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} - ما الحكمة؟ وما السر يا إلهي {فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ } إذ كيف سيعرف هذا من ذاك؟ فعند البلاء تظهر حقيقة الأنباء التي رددها الإنسان في عالم الطهر والصفاءوهذا سر تقدير البلاء على الناس أجمعين في هذه الدنيا أما اجتباء وابتلاء المرسلين والنبيين والمؤمنين فهو لرفع درجاتهم ولتعظيم مقاماتهم لأن الله لا يختبرهم وإياكم أن يقول أحد من إخواننا العلماء أن الله يختبر بالبلاء الأنبياء وهل الله عزَّ وجلَّ يختبر أنبياءه ورسله؟ وهل يختبر عباده المؤمنين الذين ارتضاهم لهذا الدين؟ لا لكن يختبر الكافرين والجاحدين والمشركين ولكن سر البلاء للنبيين والمرسلين والصديقين والشهداء والصالحين هو لرفعة المقدار وزيادة المقام وأقلهم شأناً لزيادة الأجر والثواب وأضعفهم حالاً تطهيره من الذنوب التي تستوجب العقاب فإذا كان ضعيفاً ولا يستطيع منع نفسه من الذنوب فإن الله يبتليه ليطهره من هذه الذنوب إذا فهو ليس إختبار وذلك لكي تعرفوا الفارق بين الاثنين ولا تعمموا كلام حضرة الله وإذا كان ضعيف في العبادة لله عزَّ وجلَّفإن الله يبتليه ليزيد له الأجر والثواب وإذا كانت عنده مطامح للدرجات العالية والمقامات الراقية وليس له همة تواتيه وتوافقه على بلوغ هذه المقامات والدرجات فإن الله يبتليه ليرفعه بها إلى هذهالدرجات وهذه المقامات ولذلك يبين الله عزَّ وجلَّ لخليله سر ابتلاءه له(وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ ) ما هذه الكلمات؟ إن فيها أقاويل كثيرة
لأئمة التفسير وللعلماء العاملين وللأولياء والصالحين لكنها وفي جملتها بلاء في نفسه وبلاء في قلبه وبلاء في أهله وبلاء في ولده وبلاء في ماله وقد حددها الله وبينها، فيم ستبلونا يا رب ؟ (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) قال له: وبشر الصابرين وذلك لأنهم ليس معك في المنزلة.. وما حال الراضين؟ إنهم معك ولا يحتاجون للبشارة لأنهم بلغوا المراد ( مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم) فهل من يركبون الطائرة معاً عند عودتهم من الحج يهنئون بعضهم بسلامة الوصول وقبول الحج ؟ لا لكن من يستقبلونهم هم الذين يهنئون (مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً) نسأل الله هذه الرفقة الطيبة المباركة فقال له ربه: يا إبراهيم أتدرى لم سميتك خليلاً؟ أي لماذا أخذت هذه الرتبة؟
( وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً) قال: لايا رب؟ قال: "لأنك جعلت بدنك للنيران ومالك للضيفان وقلبك للرحمن وولدك للقربان" فمن يريد الخلة عليه أن يكون جاهزاً لمثل لهذه الأمور لكي يصبح خليلاً لله ولذلك فإن ربنا ينصحنا ويقول
(وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) 
أين مقام إبراهيم؟
هل هو ذلك الحجر الذي هناك؟
 إنه موضع أقدام الخليل ولكن مقامه هو مقام الخلة
واتخذوه مصلى أي عليكم أن تحاولوا الوصول إليه ورتبوا أنفسكم وجهزوا أرواحكم أن تعملوا وتفعلوا لتنالوا مقام الخلة لأنه هو المقام العظيم عند العظيم عزَّ وجلَّ ومقام الخلة علاماته وبشاراته (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) إذا فهو ليس وحده في الفصل لأنه كما أشارت الآية فإن الموقنين كثير فأول واحد في الكشف هو سيدنا إبراهيم لكن الكشف يحوي كثير غيره وهم الموقنون وأهل اليقين الذين اعدوا للبلاء الرضا عنالله عزَّ وجلَّ في كل وقت وحين وجهزوا لحضرته الرضا من أنفسهم فلا يتغير حالهم ولا يتوتر شأنهم ولا ترهق نفوسهم ولا يتعكر مزاجهم ولا يروح ويجئ فكرهم لأنهم على يقين أن محبوبهم إذا ابتلاهم فإنما ليجتبيهم ويصطفيهم ويبلغهم مقام عظيم عنده ولا شيء غير ذلك لأننا خرجنا من دائرة الإختبار بفضل الله ولأننا من الأطهار والأخيار وبذلك قد وضحنا البلاء وبيناه بالنسبة لأنبياء الله ورسل الله والصالحين من عباد الله أجمعين في هذه الدنيا وقد يقول واحد منا لماذا لا يعطينا الله عزَّ وجلَّ هذه المقامات العالية وهي مقامات الإجتباء والاصطفاء بدون بلاء؟ لأن الله عزَّ وجلَّ آل على نفسه العدل وحرم على نفسه الظلم (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ) وحتى يكشف الله لجميع أهل الموقف أن هؤلاء ما أخذوا إلا ما يستحقونه ودس الله عزَّ وجلَّ في خفية عن العيون مدد لطفه ومعونته وتوفيقه للأتقياء الأنقياء فقبل أن ينزل لهم أو عليهم البلاء ينزل عليهم مدد اللطف والمعونة من السماء حتى إذا نزل البلاء كانوا جاهزين لتحمل الأمر والرضا عن الله فسبحان من انزل البلاء وأعان عليه ثم يثيب ويرفع الذكر والأجر عليه وهذا توفيق من الله وبالله وإليه لعباد الله عزَّ وجلَّ المؤمنين لكن الله لو انزل علينا ذرة واحدة من البلاء بدون لطف ومعونة من السماء هل يستطيع الواحد منا أن يتحمل شكة إبرة؟ لا والله يا إخواني لكنه ينزل جند لطفه ومعونته وتوفيقه ثم ينزل البلاء ليزيد الأجر والثواب أو يخفف الذنوب ويستر العيوب أو يرفع المقام ويجعل هذا الإنسان من عباد الله الصالحين الذين
استحقوا الدرجة العظيمة عند رب العالمين عز وجل ولذلك فإن الله يضرب لنا المثل تلو المثل بأنبيائه ورسله وقد نوع عليهم ألوان البلاء حتى لا تظن أنك وحدك الذي أفردت بالبلاء فلك مثل وأسوة وقدوة في كل بلاء بعباد الله المرسلين والنبيين وليس الأتقياء فقط فإذا أدخلت السجن ظلماً فإن يوسف دخل السجن ظلماً وإذا حرمت من الأب والأم صغيراً بغير جريرة ولا سبب فإن رسول الله وكذلك يوسف قد حرما من الأب والأم بلا ذنب ولا جريرة وإذا تعرضت لجبارين فإن كل أنبياء الله تعرضوا لأعتى الجبابرة إبراهيم للنمروذ وموسى لفرعون ورسول الله لأبي جهل وقد قال فيه: فرعوني أشد علىَّ من فرعون أخي موسى عليه وإذا كنت قد حرمت من نعمة الولد فإن إبراهيم لم يحصل على الولد إلا عند الثمانين عاماً وبعد أن أعطاه الله مناه أمره أن يأخذه وأمه ويجعلهم في صحراء جرداء لا زرع فيها ولا أنيس ولا ماء وبعد أن بلغ ريعان الشباب وأصبح يسر الناظرين أمره أن يذبحه حتى لا تبقى في قلبه شعبة لغير رب العالمين لكي لا ينشغل إلا بالله جل في علاه وهنا سر آخر من أسرار البلاء أن الله يريد من العبد ألا ينشغل إلا بمولاه فإذا مال القلب لأي ناحية من الأنحاء سلط الله عليه البلاء ليرجع إلى الله ويقول : يا رب ادفع عني هذا أو سهل لي هذا فيرجع إلى الله فلا يرد العبد إلى مولاه إلا البلاء الذي يتعرض له في هذه الحياة لكن لو غطى بالنعيم(كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى) وإذا كنت لم ترزق إلا بالبنات فإن نبي الله لوط لم يرزق إلا بالبنات وحبيبنا صلَّى الله عليه وسلَّم لم يعش له من جملة أولاده إلا البنات وإن كنت تقول الدنيا ومشاغلها تشغلني عن طاعة الله فما عذرك الذي تقدمه إلى الله إن أقام عليك الحجة وقال لك : أيهما كان أشغل أنت أم النبي الملك سليمان على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم السلام الذي سخر الله له الريح وسخر الله له الجن وأتاه ملكا لم يأته أحد من الأولين والآخرين ومع ذلك لم ينشغل عن الله طرفة عين وإن كانت تحدثك نفسك أنك مشغول بالعبادة فلا يجب أن تسعى لتحصيل القوت وعلى الخلق أن يعينوك ويكفونك القوت فقل لها وهل بلغت في العبادة مبلغ داود عليه السلام وقد قال في شأنه نبينا عليه أفضل الصلاة وأتم السلام {ما أكل أحد طعاما قط خيراً من أن يأكل من عمل يده وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده } وإن زعمت أنك تيأس من رحمة الله لأنك لا تجد من يعينك في بلدتك على طاعة الله ولا تجد إخواناً فقد قال الله في شأن لوط (فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ) ومع ذلك لم ينشغل عن عبادة الله لحظة أو أقل وهكذا أقام الله الحجة على عباده أجمعين
بالنبيين والمرسلين ثم أقام الحجة في كل عصر بالأولياء والصالحين فإن الله نوع عليهم البلاء وأقامهم في أصناف الابتلاء ليكونوا حجة على الخلق في زمانهم حتى يكون لله الحجة البالغة ستقول كيف أصل إلى الله
 وأنا مشغول بالسعي على الأرزاق يقول لك الكريم الخلاق:
اعلم علم اليقين أن أكمل الأولياء في زمانك وفي عصرك لا تشغلهم المشاغل الكونية رغم شدتها وزحامها عن الصلة بالله وعن دعوة الخلق إلى الله وعن القيام بمهام الرسالة التي كلفهم بها سيدنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فما عذرك أيها المتواني وما قولك أيها القاعد والمتقاعد والمتكاسل؟ وإن قلت إن ما معي من المال لا يكفي لدعوة الله والعيال يقول لك المولى عزَّ شأنه :أتشك في الرزاق وأنت ترى مدى إغداقه وإكرامه الذي يملأ به الصالحين في زمانك وفي غير زمانك حتى أن الناس تحسبهم وجهاءوبعض الناس الجهلاء يحسبهم أغنياء من شدة تعززهم بالله وولاية الله التي شملتهمفي هذه الحياة عليك أن تقبل على الله وانظر ماذا سيصنع معك الله وهل رأيت مقبلا على اللهتركه مولاه وتخلى عنه لسواه؟ لا يكون ذلك أبداً وهو الذي يقول ( وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً) إذاً حجة الله على الخلق هم الأنبياء والمرسلين السابقين والأولياء والأفراد المعاصرين في كل زمان ومكان هكذا حكم الله ولذلك طلب منا الحبيب أن نقرأ قصص الأنبياء وقال في شأنهم ربي عز وجل (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ) وكان الحبيب يقص عنهم ويخبر عنهم وكذلك الصالحون أمرونا أن نقرأ قصص الصالحين لنمشي على نهجهم ونسير على هديهم وقد قال أحد الصالحين في شأنهم "حكايات الصالحين جند من جند الله تقوى قلوب المريدين على السير إلى حضرة الله جل في علاه"

كتاب : كيف يحبك الله

حكمة الخلق الجديد

حكمة الخلق الجديد
فأراد الله عزَّ وجلَّ وهو الفعال لما يريد أن يضع أقدار ومقادير ورتب العبيد فجعل لهم خلقا جديد ينزلون به إلى هذه الحياة الدنيا ليختبر صدقهم في ترديد كلمة التوحيد ولذلك قال ربي عزَّ شأنه مبيناً سبب ما نحن جميعاً فيه 
{بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} ما سبب اللبس ؟الخلق الجديد وهو ما نحن فيه الآن وهو هذا الهيكل المصنوع من عناصر الأرض من الطين ومن التراب ومن الماء المهين لأنه يميل إلى هذه العناصر ويميل إلى ما منه قد صنع وما منه أوجد فيميل إليها بالكلية ولولا حفظ ربي عزَّ وجلَّ للعطية ما استطاع واحد منا أن يحفظ هذه العطية الإلهية [فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ] فكانت حكمة الله في توارد الخلق إلى هذه الدنيا بينّها وقال عزَّ شأنه [تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌالَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً] كما قال ربي عزَّ شأنه في الحقائق النورانية التي لا ترى بالعين الجسمانية 

الاثنين، 2 أبريل 2012

هل يعد الإلهام أو الرؤيا حجة فى الشرع ؟؟


الجواب :
العلماء الربانيون الذين أثنى الله عليهم جمعوا بين نور العقل ونور القلب، وجمعوا بين نور العلم ونور الإيمان، وجمعوا بين نور الفطرة ونور النبوة، واهتدوا بصحيح المنقول، وصريح المعقول ووفقوا بين النصوص الجزئية، والمقاصد الكلية، وردُّوا الفروع إلى الأصول والمتشابهات إلى المحكمات.. العلماء الربانيون متوازنون وسطيون،
هم لا ينكرون أن يقذف الله في قلب عبدٍ من عباده نوراً يكشف له بعض المستورات والحقائق، ويهديه إلى الصواب في بعض المضايق والمواقف، بدون اكتساب ولا استدلال، بل هبة من الله تعالى، وإلهام منه،
إن هذا الإلهام أثر من آثار الإيمان العميق والعبادة الخالصة،