مدونة مراقى الصالحين: 2011

السبت، 31 ديسمبر 2011

آدَابُ الْدُّعَاء


آدَابُ الْدُّعَاء
وهي التي بالوقوف عليها والعمل بها يُرزق العبد الإجابة من الله وقد أشار إلى بعضها إبراهيم بن أدهم حين سأله رجلٌ قائلاً يا إبراهيم قال الله{ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} فمــا بالنا ندعو فلا يستجاب لنا فقال إبراهيم من أجل خمسة أشياء :
    1- عرفتم الله فلم تؤدُّوا حقه .
    2- وقرأتم القرآن فلم تعملوا به .
    3- وقلتم : نحبُّ الرسول ، وتركتم سنَّته .
    4- وقلتم : نلعن إبليس ، وأطعتموه .
   5- والخامسة : تركتم عيوبكم ، وأخذتم في عيوب الناس .
ونجمل هذه الآداب باختصار شديد فيما يلي :

الروح فى عالم البرزخ

الروح فى عالم البرزخ

ظن البعض أن الموت هو نهاية الحياة فى حين أن الحقيقة التى ذكرها كتاب الله وبينها سيدنا رسول الله أن الموت يكون للجسم أما الروح فلا تموت ولا تفوت وإنما تنتقل إلى دار تسمى(دار البرزخ)يقول الله تعالى فيها ففى الآية ( 100المؤمنون){وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } كلمة (البرزخ) أى الحاجز بين شيئين وهو هنا والحاجز بين الدنيا والآخرة يسمى البرزخ أو يسمى القبر لأنه يستر الإنسان لكن الإنسان بمجرد أن تخرج روحه من جسده يخرج إلى عالم فسيح عالم الإطلاق فالروح عند الموت لها شأن آخر فى عالم البرزخ فإن كانت من الشهداء فالله يقول في الشهداء {بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ }آل عمران169 وإن كانت من أهل درجة من درجات اليمين من المؤمنين فهي في عليين: [إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ{18} وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ{19} كِتَابٌ مَّرْقُومٌ{20} يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ{21}] [المطففين] فهى على كل حال في حضرات إلهية فيها صفاء وفيها نقاء وهناء لا يستطيع الإنسان أن يصفه أو حتى يشير إليه لأن العقول لا تتحمله في هذه الحياة الدنيا وهذا سر قول النبى : {لَوْ تَعْلَمُون مَا أَعْلَمُ، لَضَحِكْتُمْ قَليلا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيراً ولخرجتم إلى الصعداء تجئرون }عن أنسٍ صحيح البخارى ومسلم
فالروح لاتموت ولا تفوت ولذا ورد أن الإمام الغزالى عندما حانت وفاته جلس تلاميذه حوله يبكون فقال لهم:
قل لإخوانٍ يـرونى ميتا
ليس والله بالميت أنــا
أنا عصفور وهذا قفصى
طرت منه إلى دار الهنـا
فوصف الجسم فى تقييده للروح كالقفص الذى يحبس فيه الطائر فالجسم يحبس الروح عن الحركة فإذا خرجت الروح من الجسم سرحت فى عالم الإطلاق ما شاءت لأنها تكون مطلقة وغير مقيدة.
لاترعكم هجمة الـموت
فما هو إلا نقلة من ها هنا
إنتقال من دار إلى دار ليس أكثر ويبين هذه الحقيقة فقد ورد فى الأثر أن نسبة البرزخ إلى دار الدنيا كنسبة الدنيا إلى بطن الأم، فالإنسان عندما يكون جنيناً فى بطن أمه يظن أنه الحياة التى فيها كل المنى، فهى حياة واسعة وفيها كل ما يبتغيه وعندما يهبط من بطن أمه يبكى على مفارقته هذه الحياة التى كان فيها وبعد أن يعقل يجد الدنيا واسعةً جداً ليس هناك نسبة بينها وبين بطن أمه وهذه مثل نسبة البرزخ إلى عالم الدنيا ولتقريب الحقيقة أقول أن عالم البرزخ فيه كل السابقين أجمعين حاضرين فكم يكون النسبة بينه وبين عالم الدنيا؟ ففيه من أول أدم وكلهم أحياء عند ربهم يرزقون وأياك أن تخص الحياة ببعض دون البعض لأن الله ذكر أن حياة البرزخ لكل الخلائق لأن البرزخ أما يكون روضة من رياض الجنة وأما حفرة من حفر النار أى أن الإنسان فيه أما أن ينعم وأما أن يعذب، ولكى ينعم أو يعذب لابد أن يكون فيه حسٌ وأحساس يدرك النعيم ويشعر بالألم والعذاب وضرب الله مثلا للكافرين فقال تعالى عن فرعون وقومه:{مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا} فأين ذهبوا؟ {فَأُدْخِلُوا نَاراً} (25نوح) بعد الغرق مباشرة أدخلوا النار وحتى لا يلتبس الأمر على البعض ويظن أن النار نار الآخرة بين الله الحقيقة فقال فى سورة غافر:{النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ }فالنار التى يعرضون عليها غدوا وعشياً هى نار البرزخ لأن الآخرة ليس فيها غدو ولا عشى ولا يوم ولا شهر ثم يبين بعد ذلك أنهم يذوقون أشد العذاب فى الآخرة لنعلم يقيناً أن هذه النار هى نار الحياة البرزخية التى يعذب فيها قوم فرعون والنبى بيّن هذه الحقيقة عندما دفن قتلى الكفار فى غزوة بدر وكانوا حوالى سبعين، فأتى فقامَ عليهمْ ونادى وقال: { يا أبا جَهْلِ بنَ هِشَامٍ، يا أُمَيَّةُ بنَ خَلَفٍ، يا عُتْبَةَ يا شَيْبَةَ بنَ رَبِيعَةَ، أَلَيْسَ قَدْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقَّاً، فإِنِّي وَجَدْتُ مَا وَعَدَ رَبِّي حَقَّاً؟ قالَ: فَسَمِعَ عُمَرُ قَوْلَ النَّبِيِّ، فقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يَسْمَعُونَ قَوْلَكَ، أَوْ يُجِيبُونَ وقد جَيَّفْوا؟ فقالَ: والَّذي نَفْسي بِيَدِهِ، ما أَنْتُم بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ، ولكِنَّهم لا يَقْدِرُونَ أَنْ يُجِيبُوا} عن أنسِ بنِ مالكٍ، صحيح ابن حبان، وفى البخارى ومسلم
فبين أن الإنسان الذى يغادر هذه الدنيا يسمع ويحس ويشعر ولكن الكافر يكون فى سجن إنفرادي لا يستطيع أن يتحرك أو يجيب، أما المؤمن فيكون فى حياة مطلقة يذهب إلى الجنة كيف يشاء، بل ويذهب إلى الأماكن التى يحبها فى الدنيا ويزور الأحباء الذين كان يحبهم ويودهم فى الدنيا له حرية مطلقة فى الحركة لأنه كما قال الله فى شأنه فى [34 الزمر]:{لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ } فكل الذى يشاءه ويختاره يعطيه له الله فى هذه الحياة البرزخية ومن فضل الله علينا معشر المؤمنين في البرزخ أن المؤمن لا يخرج منه إلا وقد طاب أمره وصلح شأنه وأصبح صالحاً لدخول الجنة إلا أقل القليل وهم من ماتوا مسرفين على أنفسهم فى الكبائر ولم يتوبوا قبل الموت لكن أى مسلم لم يرتكب الكبائر فإن الله يمحصه ويغفر له ويعفو عنه فى الحياة البرزخية حتى يخرج منها صالحا لدخول جنة النعيم، فهذه الحياة البرزخية أكرم الله بها الأمة المحمدية وجعلها إكراما لنا جماعة المسلمين وهو سر قول رسول الله :{ أُمَّتِي أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ مُتَابٌ عَلَيْهَا تَدْخُلُ قُبُورَهَا بِذُنُوبِهَا وتَخْرُجُ مِنْ قُبُورِهَا لاذُنُوبَ عَلَيْهَا يُمَحَّصُ عَنْهَا باسْتِغْفَارِالمُؤْمِنِين َ لَها}عن أنس السيوطى فى شرح الصدور والطبرانى فى الأوسط
يتبع إن شاء الله

النفس والروح والموت

والذى يموت ويفنى هو الجسد ولذلك فإن الله عندما ذكر الوفاة لم يذكر الروح بل ذكر النفس:{كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ} [185آل عمران ] {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا} [42 الزمر] وهنا نبسط فى عجالة كيفيات قبض الأنفس كما ورد فى كتاب الله: فهناك أنفس يتولى قبضها ملائكة العذاب: {وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ}93 الأنعام) وهناك أنفس يتلقاها ويتوفاها ملائكة الرحمن {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ}32النحل وهناك أنفس يتوفاها ملك الموت لقول الله{قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ }[11السجدة]وهناك أنفس وهى أعلاها وهى قلة يتوفاها الحق بنفسه:{اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا}[ 42 الزمر] وهذا ما يقصده الحبيب بدعائه: وتولَّ قبض روحى بيمناك مع شدة الشوق إلى لقائك يا رحمن.

عِلاجُ الْهَمِّ دِينِيَّـاً وَ عِلْمِيَّـاً



عِلاجُ الْهَمِّ دِينِيَّـاً وَ عِلْمِيَّـاً
خلق الله الإنسان وهو العليم بخلقه يتأثر 
بالصدمات النفسيَّة هلوعاً عند الخطوب جزوعاً 
إذا مسَّه الشر مما يجعل هذه الهموم والخطوب تصيب الإنسان بالجزع والخوف والتوتر النفسي والعصبي وخطورة هذا الهلع والجزع والاضطراب النفسي على الإنسان أنه يعرِّضه للإصابة بكثير
من الأمراض مثل الضغط والسكر وتصلُّب الشرايين والذبحة الصدرية والجلطة وانفجار شرايين المخِّ والجنون وكثير مما نرى من الأمراض وما علاج هذا الهلع والجزع ؟ وكل إنسان معرض لما يثير فيه الهلع والجزع ؟ أرشدنا الله إلى علاج الفزع والجزع في قرآنه حيث يقول(إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً{19} إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً{20} وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً{21} إِلَّا الْمُصَلِّينَ{22} الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ{23} وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ{24} لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ{25} وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ{26} فكلما قوى إيمان العبد كلما قلَّ تأثره بالنوائب والكوارث وقلَّ تأثره بالهلع والجزع وتعوَّد على الصبر والرضا بالقضاء والإنسان المؤمن لإحساسه بالضعف وشعوره بالحاجة الدائمة إلى عون الله سبحانه وتعالى يفتح الله تعالى له بابا من أبواب رحمته فيقف عليه بأدب الشرع فيواجه الله باللطف والسكينة والطمأنينة وبرد الرضا ويكشف عنه ما نزل به من ضرٍّ وذلك مأخوذ من قوله عزَّ شأنه :
{وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ}فهي مفاتح من " الفتح "، لأنها فتحٌ من الله فيفتح الله له بـاب الدعـاء لقول النبى(لاَ يَرُدُّ الْبَلاءَ إِلاَّ الدُّعَاءُ)ورواية سلمان «لاَ يَرُدُّ الْقَضَاءَ إِلاَّ الدُّعَاءُ، وَلاَ يَزِيدُ فِي الْعُمُرِ إِلاَّ الْبِرُّ»– جامع الأحاديث والمراسيل ومشكاة المصابيح والفتح الكبير.
وهذا الدعاء قد يفتحه الله له في الصلاة فيوفِّقه لأداء صلاة الحاجة وقد يكون دعاء الله بالأسماء الحسنى أو باسم الله الأعظم الذي يفتح به عليه الله وقد يكون بالأدعية الواردة في القرآن الكريم أو في السنَّة النبوية الشريفة وقد يكون بصيغ للصلاة على رسول الله فيها الفرج بعد الشدَّة واليسر بعد العسر وقد يكون الفتح بأدعية يلهم الله بها عباده الصالحين ويسمونها أحزاباً لأن الله ألهمهم بها في وقت الشدة فقد روت السيدة عائشة رضي الله عنها عن رسول الله (أَنَّهُ كَانَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ فَزِعَ إلَى الْصَّلاة) مسند الإمام أبي حنيفة وفتح الباري ، حزبه : أهمَّه وأفزعه وأقلقه
فَائِـدَةُ الْدُّعَاءِ عِلْمِيَّا
وقد أثبت العلم حديثاً فائدة الدعاء والصلاة والأذكار في منع الهلع والجزع والأضرار المترتِّبة عليهم وقد أشار إلى ذلك الدكتور " طاهر توفيق " في كتــابه ( القرآن والإعجاز في خلق الإنسان - صفحة 98 ) فقال { إن الإنسان إذا ســـمع خبراً سيئاً أو جزع من أي خبر أو هلع من أي حادث فإن المخَّ يرسل شحنة كهربائية جبَّارة ضاربة تخترق الجزء الأسفل منه وهو قناة (الهيبوثالاماس) لتنزل إلى أي مركز من المراكز اللاإرادية فإن أصابت هذه الشحنة مكان التمثيل الغذائي فقد تضرُّ هذا المركز ويصاب الإنسان بالسكر مثلاً أو بارتفاع الكولسترول وإن نزلت هذه الشحنة إلى مكان تنظيم ضغط الدم قد يصاب الإنسان بمرض ارتفاع ضغط الدم وإذا أصابت أحد الغدد الصماء أصيب الإنسان بخلل في وظائف هذه الغدد وإذا نزلت هذه الشحنة إلى مراكز إفراز حامض الهيدروكلوريك مثلاً بالمعدة فقد يصاب بفقد الشهية لنقص إفراز هذا الحامض أو بعسر الهضم وقرحة المعدة نتيجة زيادة إفراز هذا الحامض في المعدة وهكذا كثيراً من الوظائف اللاإرادية تتأثر بالشحنة الكهربائية التي تنزل من المخِّ وتخترق (الهيبوثالاماس) وتتوجه إلى أي مركز لاإرادي فتتسبب في إصابته بإصابات تختلف من شخص إلى أخر } ثم يوضح تأثير الدُّعـــاء والذكـــر فيقول فى صفحة 189 من نفس الكتاب{ وهذه الإشارات الضَّارة المفاجئة تمرُّ عند نزولهـــــــــا بقنــــاة عصبيَّة تسمى (هيبوثالاماس) : و وظيفتها امتصاص هذه الإشارات الضَّارة والحدُّ من وصولها للجسم ووظيفة هذه القناة تقوى بالصلاة والإيمان والرضى بقضاء الله وقدره وتضعف هذه القناة وتفشل في أداء وظيفتها الهامة بالبعد عن الله وترك الصـــلاة ، وعدم الصــبر والــرضى عند الشدائد فإذا قويت هذه القناة منعت جميع الإشارات الضارة من الوصول إلى أعضاء الجسم مسببة ضررها وإذا ضعفت اختلَّت وظيفتها ما يؤدي لوصول هذه الإشارات إلى أجزاء الجسم المختلفة محدثة ما ذكرناه سلفاً وقد تكون هذه الإشارات الواردة للجسم شديدةً نتيجة حزن شديد أو صدمة عنيفة وهنا تصبح قناة (الهيبوثالاماس) غير قادرة على منع كل هذه الإشارات من الوصول لأجزاء الجسم وهنا يحوِّل المخُّ الباقي من هذه الإشارات ويوجهها إلى أجهزة وأعضاء بالجسم يكون زيادة نشاطها وعملها غير مضرمثل الغدة الدمعية فيذرف الدمع وهو كما نعلم مفيد جداً في غسيل العين أو مثل عضلات القفص الصدري والتي تتحرك سواء في الضحك أو البكاء فيُزيد وينشِّط ذلك من عمل الرئتين مما يفيد في تنقيَّة الدم من ثاني أكسيد الكربون وقد تفيد الإشارات في تحريك بعض عضلات الوجه وهذا مطلوب بين آنٍ وآخر ولذلك كله فإن البكاء أو الضحك يفيد في صرف مثل تلك الإشارات الضارة والزائدة عن قدرة قناة (الهيبوثالاماس) عن الأعضاء الحيوية بالجسم ويحولها إلى أعضاء أخرى كون زيادة عملها مفيد للجسم فسبحان الخالق العظيم القائل {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى }
http://www.fawzyabuzeid.com/news_d.php?id=175

تَوَجُّهَاتُ الْسَّلَفِ الْصَّالِحِ فِى الإِسْتِغَـاثَاتِ و الْدُّعَــاء



تَوَجُّهَاتُ الْسَّلَفِ الْصَّالِحِ فِى الإِسْتِغَـاثَاتِ و الْدُّعَــاء
حرصنا على أن نبيَّن نهج سلفنا الصالح في التوجه إلى الله بالاستغاثة أو الدعاءلأنه ظهر في عصرنا من ينكر قراءة الأوراد والأحزاب الواردة عن الصالحين بل ويُعِدُّ ذلك " بدعة " يجب القضاء عليها ويبرِّر ذلك بقوله : الأوْلى الاشتغال بالقرآن والسنَّة ، وهذا يرجع في نظرنا إلى أمرين :
إما رؤيتهم لبعض المنتسبين للصالحين والذين يدَّعون الحبَّ للصالحين ولكن لا يتابعونهم في سلوكهم وهديهم
وحكمهم على أهل الطريق كلهم من خلال هذه النظرة القاصرة.
وإما لجهلهم بأحوال أهل الطريق لعدم إطلاعهم عليها وعدم معرفته للأسباب الشرعية التي استمد أهل الطريق منها أحوالهم وأسَّسوا عليها أعمالهم فإن القوم ما خرجوا عن القرآن والسنة طرفة عين لذلك رأينا أن نبيِّن طريق القوم في التوجِّه والدعاء وحتى لا يظنَّ العبد أننا نتعصَّب لهم فإننا ننقل كلام أحد أئمتهم في هذا الشأن ، ونكتفي به لغنائه ، فقد قال الشيخ أحمد زروق {{ أعلم أن للشارع في كل باب من المطالب إفادة وللأولياء في ذلك زيادة فمن جمع بين فائدة الشرع وزيادة الأولياء كان على اهتداء واقتداء ومن أفرد ذلك كان نقصه بحسب ذلك ولكن نقص الإهتداء يمنع الفائدة ونقص الإقتداء قد لا يضر لأنه مقوٍّ فقط والوقوف معه بهجران ما ورد شرعاً يضرُّ دنياً وآخرة وسأذكر لك في ذلك سبعة أمثلة :

الأول : إذا أردت السفر بالبحر " للسـلامة من عطبه ؛ فقدِّم قبل ركوبه :{بِسْمِ اللّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ }{وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } إذ قد جاء في الحديث أنه أمانٌ من الغرق .
الثاني: إذا أردت الخروج من الضيق إلى السعة قل : {{ يا واسع يا عليم يا ذا الفضل العظيم أنت ربِّي وعلمك حسبي إن تمسسني بضرٍّ فلا كاشف له إلا أنت وإن تردني بخير فلا رادَّ لفضلك تصيب به من تشاء من عبادك وأنت الغفور الرحيم .}} فقدِّم ملازمة الاستغفار إذ قد جاء في الحديث أن الله يجعل لملازمه من كل همٍّ فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ويرزقه من حيث لا يحتسب واستعمل دعاء الكرب المرويِّ في البخاري :(لا إله إلا اللَّهُ العَظِيـــمُ الـحَلِـيـمُ، لا إله إلاَّ اللَّهُ رَبُّ العَرْشِ العَظِيــمِ، لا إلهَ إلاَّ اللَّهُ ربُّ السَّموَاتِ وَرَبُّ الأرْضِ وَرَبُّ العَرْشِ الكَرِيـمِ )وما جاء في سنن أبي داود من حديث أبي أمامة في الذي اشتكى هموماً وديوناً اعترته فعلَّمه رسول الله(اللَّهُمَّ إِنِّي أَعوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَأَعوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَأعوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ والْبُخْلِ وَأعوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَـةِ الدَّيْنِ وَقَهْـرِ الرِّجَـالِ وقـال : قُلْهُ بعد الصبـح والمغـرب)(سنن أبي داوود).
الثالث: إذا أردت النصر على الأعداء قل (بسم الله، وبالله، وعلى الله فليتوكل المؤمنون، اللهم اجعل كيدهم في نحورهم واكفنا شرورهم حسبي الله وكفا سمع الله لمن دعا ليس وراء الله منتهى حسبنا الله ونعم الوكيل وقال: يذكر سبعاً في دبر كل صلاة تقدِّم عليه ما كان عليه النبى يقوله إذا خاف قوماً اللَّهُمَّ إِنَّا نَجْعَلُكَ في نُحُورِهِمْ وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شُرُورِهِمْ ) وكان عليه الصلاة والسلام إذا خاف عدواً يقول ( عن البراء بن عازب : مسند الإمام أحمد وابن حبان )  اللَّهُمَّ اكْفِنَاهُ بما شِئْتَ)
الرابع: إذا أردت السلامة من ظالم : تدخل عليه باستعمال قوله تعالى فى محكم التنزيل{وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ }فقدَّم ما جاء في الحديث لمن خاف ســـلطاناً أو ظــالماً أن يقول اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَعَزُّ مِنْ خَلْقِهِ جَمِيعاً، اللَّهُ أَعَزُّ مِمَّا أَخَافُ وَأَحْذَرُ، أَعُوذُ بِاللَّهِ الَّذِي لاَ إِلٰه إِلاَّ هُوَ، المُمْسِكُ السَّمٰوَاتِ السَّبْعَ أَنْ يَقَعْنَ عَلٰى الأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ، مِنْ شَر عبْدِكَ فُلاَنٍ وَجُنُودِهِ، وَأَتْبَاعِهِ وَأَشْيَاعِهِ، مِنَ الْجِن وَالإِنْسِ، اللَّهُمَّ كُنْ لِي جَاراً مَنْ شَرهِمْ ، جَلَّ ثَنَاؤُكَ ، وَعَزَّ جَارُكَ ، وَتَبَـارَكَ اسْمُكَ ، وَلاَ إِلٰهَ غَيْرُكَ ـ يقوله ثَلاثَ مَرَّاتٍ ) كما رواه الطبرانى وغيره – 
الخامس : إذا أردت ألا يصدأ لك قلب ولا يلحقك همٌّ ولا كرب ولا يبقى عليك ذنب فأكثر من{ سبحان الله وبحمده لا إله إلا الله }ويزيد { محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم}{ اللهم ثبِّت علمها في قلبي واغفر لي ذنبي واغفر للمؤمنين والمؤمنات والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى } فمن أراده فليستعمل معه: 
(اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ ابْنُ عَبْدِكَ ابْنُ أَمَتِكَ ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ)إلى آخر الدعاء الآتي في فوائد تفريج الكرب فما قاله أحدٌ إلا أذهب الله همّه وأبدل مكان حزنه فرحاً كما ورد في الحديث الشريف عن ابن مسعود ، قال: قال رَسُولُ اللَّهِ : «مَا قَالَ عَبْدٌ قَطُّ، إِذَا أَصَابَهُ هَمٌّ أَوْ حُزْنٌ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ ابْنُ عَبْدِكَ ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ القُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ بَصَرِي، وَجِلاَءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي، إِلَّا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَأَبْدَلَهُ مَكَانَ حُزْنِهِ فَرَحاً». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَعَلَّمَ هٰذِهِ الْكَلِمَاتِ؟ قَالَ: «أَجَلْ، يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهُنَّ أَنْ يَتَعَلَّمَهنَّ» صحيح ابن حبان .

السادس:قد جــــاء في الحديث(أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ(ثلاثا)عَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ السُّلَمِيَّةِ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللّهَ يَقُولُ: «إِذَا نَزَلَ أَحَدُكُمْ مَنْزِلاً فَلْيَقُلْ الحديث ). فَإِنَّهُ لاَ يَضُرُّهُ شَيْءٌ حَتَّىٰ يَرْتَحِلَ مِنْهُ» صحيح مسلم.
عند نزول المنزل في السفر منزل أمان(أى بقولها يصير المكان الذى نزلوه أمانا)حتى يرتحل عنه وجـــــــــاء : {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ } لنفي وحشته (أى وحشة مكان النزول).
وجـــــــــــــــــــاء: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } والمعوذتان ، صباحاً ومساءً ؛ ثلاثاً ؛ تكفيك من كل شئ .
وجـــــــــــاء أيضــــــــــــاً بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ وهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ )من قالها ثلاثاً صباحاً لم تصبه فجأةُ بلاء حتى يمسي ، وإن قالها مساءاً ؛ فكذلك حتى يصبح عن عثمان ، أَن رَسُول اللَّهِ قال : «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ: ( الحديث ) ، ثَلاثَ مَرَّاتٍ، لَمْ تَفْجَأْهُ فَاجِئَةُ بَلاءٍ حَتَّى يُمْسِيَ وإنْ قَالَهَا حِينَ يُمْسِي لَمْ تَفْجَأْهُ فَاجِئَةُ بَلاءٍ حَتَّى يُصْبِحَ ».مسند الإمام أحمد ، وصحيح ابن حبان .

السابع : قد ذكر المشايخ وجوهاً وأذكاراً لطلب الغنى فمن ذلك يقول بين الفجر والصبح :{ سبحان الله العظيم سبحان من يمنُّ ، ولا يُمَنُّ عليه ، سبحان من يجير ولا يجار عليه ، سبحان من يبرئ من الحول والقوة إليه ، سبحان مدَّ التسبيح منَّة منه على من اعتمد عليه ، سبحان من يسبِّح كل شئ بحمده ، سبحانك لا إله إلا أنت، يا من يسبِّح له الجميع ، تداركني بعفوك فإني جزوع }ثم يستغفر الله مائة مرة فإنه لا يأتي عليه أربعون يوماً إلا وقد أتته الدنيا بحذافيرها ، وهو مجرَّب الفائدة.
والحاصل من ذلك كله :أن أثر الأسرار مقيد بأسرار الشريعة فمن أراد نجح مقصده فليقدم الشرعيَّات ثم يتبعها بما هو من نوعها }انتهى كلام الشيخ زروق وقد نقلناه من كتاب ( سعادة الدارين للنبهاني ).

وهكذا يتبيَّن لنا أن نهج السلف الصالح هو :
1- الإتيان بما ورد في الباب من الآيات القرآنيَّة ، والأدعـية ، والأذكار النبويَّــــة .
2- ثم يزيدون على ذلك بما يفتح الله عليهم من بـاب الإلهام .
3- فهم لا يكتفون بالأصول وإن كان فيها الغناء لعلوِّ هممهم وصدق عزائمهم وشدَّة أشواقهم وكثرة شغلهم بطاعة ربهم والإقبال عليه ، طمعاً في مزيد فضله ونوال كرامته .
4- وهم لا يستغنون بالزيادة عن الأصول ، بل قال قائلهم فيمن فعل ذلك : {{ إنما حُرِمُوا الوصول لتضييع الأصول }}

الْصَّبْرُ وَالْعِلمُ الْحَدِيث


الْصَّبْرُ وَالْعِلمُ الْحَدِيث
وقد كان من إعجاز القرآن الكريم أنه وضع أمثل علاج للتوتر والقلق والاضطرابات والأزمات والنكبات وحدَّد ذلك في الصلاة والدعاء والصبر وذلك في قول الله{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِوَالصَّلاَةِ}وعن الصــبر وأثــره في علاج الأزمــات من الناحية العلميَّة يقول الدكتور جمال ماضي أبو العزائم في كتابـــه(القرآن والصحة النفسيَّة- صفحة 48 ){ ويتحدث القرآن عن قيمة الصبر فيقول : إن الصابر الضعيف تقوى طاقته حتى يصبح في أول مراحل الصبر يتمتع بطاقة اثنين من غير الصابرين فيقول{الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ}وبفحص هذه الظاهرة تجد الحقَّ ركَّب طاقات أعضاء الإنسان جميعاً على أن يقوم جزء يسير منها بالعمل في إبان حياة الإنسان الطبيعية وادخر باقي الطاقات والأجهزة وذلك حتى يقوم بها المـــــؤمن الصــــــابر في الوقت المناسب فالعضلات جميعاً تعمل ببعض طاقاتها ، فنراها تقوى عشرات أمثال طاقاتها الأولى وكذا طاقات الجهاز العصبي تعمل عملها الطبيعي بعشر طاقاتها وحتى خلايا الكلية والكبد تعمل بعشر طاقاتها وعند الطوارئ تراها وقد زاد إنتاجها إلى عشرة أمثالها واستبصار المؤمن لهذه الحقيقة يعطيه الأمان والسكينة ونراه عند الطوارئ النفسية فرحاً مستبشراً ، وبصبره تزداد طاقة إنتاجه والنتيجة {إِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ }
الْصَّبْرُ مَادَةٌ كِيمْيَائِيَـة
وقد تمَّ في السنين الأخيرة اكتشاف مادة كيميائية تفرزها خلايا المخِّ خاصة القشرة العليا من فصي المخِّ وأطلق العلماء على هذه المادة (أندورفين) ووجدوا أن هذه المادة الكيميائية :
1- تزداد في دم الإنسان كلما زاد صبره على الآلام المختلفة وكلما زادت إرادته في إنجاز عمل خاص .
2- وأن هذه المادة الكيميائية تعين الإنسان على وقف الألم وعلى زيادة التحمل وعلى استقرار طاقات الإنسان وهو يواجه الصعوبات والمخاطر.، ولذا أطلقوا عليها وصف ( أفيونات المخِّ ) .
3- وتفرز هذه المادة مجاناً بدون مقابل إلا مقابل الصبر وتأكيد الإرادة والاستعانة بالقدرة على التحمِّل .
4-وكلما زاد الصبر وجد أطباء التحليل زيــــادة مادة ( الأندورفين ) في الدم وهذا إعجاز للخالق العظيم الذي وعد الصابرين بدرجات من النعيم وتتعدد طاقاتهم نتيجة زيادة إمدادهم بهذه المواد الكيميائية قدر صبرهم والتوكل الحقِّ على القوي القادر المتين ولننظر إلى جمال الآية القرآنية للمؤمنين العالمين وقدرة خالقهم العظيم على إمدادهم بالنصــــر والفــــوز يقولـــون{رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً}وهذه الكلمات تدل دلالة واضحة على أن الصبر" مادة كيميائية " وهى تأتي من أعلى طاقات الإنسان العصبية وتفرغ عليه عوناً من عند الله الخالق البــارئ المصـــــوِّر المعين
{رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً}
ويكون الناتج ثبــــــات الإنســــان المؤمن : {وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا }
وتكــون الجـائزة {وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ }

طَلَبُ الْمَغْفِــرَة

طَلَبُ الْمَغْفِــرَة
ولهذا ينبغي للدَّاعي الطالب للإجابة أن يلازم بعد التوبة على الاستغفار بأنواعه ويواظب عليه لأن الاستكثار منه أناء الليل وأطراف النهار يصفِّي القلوب من الصدأ والأكدار ويخفِّف الظهور من ثقل الأوزار ويوصل الملازمين له والمواظبين عليه إلى منازل العارفين من الأخيار ويفضي بهم إلى حصول المطالب وقضاء الأوطار ولذلك روى مسلم في صحيحه عَنْ الأَغَرِّ الْمُزَنِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللّهَ قَال(إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَىٰ قَلْبِي وَإِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللّهَ فِي الْيَوْم مِائَةَ مَرَّةٍ) وروى الترمذي مرفوعاً(مَنْ لَزِمَ الاسْتِغْفَارَ جَعَلَ الله لَهُ مِنْ كُلِّ هَمَ فَرَجاً ومِنْ كُلِّ ضِيْقٍ مَخْرَجاً ورَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ)وعن ابنِ عُمَرَ فى سنن أبى داوود قال(إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّ لِرَسُولِ الله في المَجْلِسِ الْوَاحِدِ مَائَةَ مَرَّة ٍ: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)وعن عائشة عن أبى الدرداء رواه صاحب الفتح الكبير(طُوبَى لِـمَنْ وَجَدَ فِـي صَحِيفَتِهِ اسْتِغْفَـاراً كَثِـيراً)والآثار في هذا الباب كثيرة جداً ونكتفي بهذا القدر خوفاً من الإطالة.
مَرَاتِبُ الإِسْتِغْفَار
اعلم أن الاستغفار على ثلاثة مراتب على قدر تفاوت الهمم والمطالب
فالمرتبة الأولى هي الاستغفار باللسان 
وفيه منافع وفوائد وبركة، فمن بركته أنه يَحْصِلَ الاستغفار بالقلب ويرجى به حصول الاستجابة من الله الكريم الغفار ومن منافعه وفوائده أنه خير من السكوت وبه يتعوَّد قول الخير ويدوامه وبالمداومة عليه يتجه العبد إلى فعل الخير ويقلع عن الشر ودواعيه ويبغضه ويقليه وهكذا فالاستغفار باللسان حسن كله على أي حال كان.
والمرتبة الثانية : الاستغفار بالقلب ...
وهو قوي الأثر في تصفية القلوب من الأكدار وبه تنفرج الهموم والغموم وتزول الكروب كما أن به يتم حصول كل أمر مطلوب أو مرغوب بل إن به تنزل الرحمات والبركات وتفيض النفحات وتندفع الشرور والبليات أما المرتبة الثالثة : وهي الاستغفار بالقلب واللسان...
فهي المرتبة الكاملة لأن بها تتجمَّع الفضائل للإنسان ويصلح الجسد والجنان وفي هذا ينال العبد أفضل المنافع ومجامع البركات حيث تنزل له المغفرة والرحمات وتضاعف له الحسنات وتكفَّر عنه السيئات وترفع له الدرجات وتزكو له الأعمال والطاعات بل قد تنصقل مرآة قلبه وتحصل له الطهارة الكاملة من العيوب والذنوب فيتوصل بذلك إلى كشف حجب الغيوب على أن هناك أمراً ننبَّه عليه : وهو أن حقيقة الاستغفار التام الموجب للمغفرة ما كان معه ندم بالقلب على الذنب ولم يكن معه إصرار فإن كان معه إصرار كان استغفاره بالقلب ناقصاً قليل الجدوى غير كامل ولكن لله ساعات لا يحجب فيها الدعاء وفي واسع القدرة أمور عظيمة وأسرار عجيبة ولذلك فلا ينبغي لعبد أن يترك الاستغفار وينهمك في غمرة الذنوب والأوزار ويقول أنَّي لي من الذنوب فِرار ؟ ولا ينفعني نطق اللسان بالاستغفار لأن من لا يقدر على ترك الشر كله فينبغي أن يتدرج بترك قليله فلعل ترك القليل منه يجرُّ إلى ترك الكثير وكذا إذا لم يقدر على عمل الطاعات وفعل الصالحات فلا ينبغي أن يكسل عن قليل الطاعة ويقول : أنىّ لي بنفيس تلك البضاعة بل يتدرج بفعل القليل منها فلعل فعل قليلها يجرُّ إلى فعل الكثير منها.

أَنْوَاعُ الإِسْتِغْفَار
أفضله ما رواه البخاري مرفوعاً أَنِ النَّبِيِّ قَالَ(إنَّ سَيِّدَ الاِسْتِغْفَار أَنْ يَقُولَ الْعَبْدُ : اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لاَ إلهَ إلاَّ أَنْتَ خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ أَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِيِ وَأَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ فَاغْفِرْ لِي فَإنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنـُوبَ إلاَّ أَنْتَ فَإنْ قَالَهَا حِينَ يُصْبِحُ مُوقِنـا بِهَا فَمَاتَ دَخَـلَ الْجَنَّـةَ وَإنْ قَالَهَا حِينَ يُمْسِي مُوقِنـا بِهَا ؛ دَخَلَ الْجَنَّةَ) ومنه ما ورد عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه فى صحيحى البخارى ومسلم رضى الله عنهما(أَنَّهُ قَالَ لرَسُولَ الله عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ في صَلاَتِي قَالَ : قُلْ .: اللَّهُمْ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْماً كَثِيراً ولاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلاّ أنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحيمُ)
ومنه ما رواه الترمذى فى سننه عن ابن مسعود قال: سمعت النَّبيَّ يَقُولُ(مَنْ قالَ أسْتَغْفِرُ الله الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ غُفِرَ لَهُ وَإِن كَانَ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ وفي رواية أبي سعيد : وَإِنْ كَانَتْ ذُنُوبُهُ عَدَدَ النُّجُومِ وَعَدَدَ زَبَدِ الْبَحْرِ وَعَدَدَ أيْامِ الْدُّنْيَا وَعَدَدَ وَرَقِ الْشَّجَرِ وَعَدَدَ رَمْلِ عَالِج)ومنه ما روى عن أبي عبد الله القرشي المشكور المشهور{اللهم إنا نستغفرك من كل ذنب أذنبنــاه تعمَّـــدناه أو جهلنــاه ونستغفــــرك من كل ذنب تبنا إليك منه ثم عدنا فيـــه ونستغفرك من كل الذنـــــوب التي لا يعلمــــها غيرك ولا يسعهـــــــا إلا حلمك ونستغفرك من كل ما دعت إليه نفوسنا من قبل الرخص فاشتبه علينا وهو عندك حـــرام ونستغفرك من كل عمل عملناه لوجهك فخالطه ما ليس لك فيه رضــــا لا إله إلا أنت يا أرحم الراحمين }}
قال الإمام اليافعي{ من داوم على هذه الكلمات عقب كل فريضة أغناه الله عن خلقه ورزقه من حيث لا يحتسب ويسَّر الله عليه أمر معيشته ولو كان عليه مثل جبلٍ ديناً أعانه الله على وفائه }ومنه ما أورده الإمام اليافعي وقال في شأنه : أخبرني من أثق به ؛ أن الشيخ بدر الدين بن عقيل قال : كنت أدعو بهذا الدعاء للعلم وكان صاحبي نصر الدين يدعو به للمال فرزقه الله المال الكثير ورزقني من العلم كثير وهذا هو الدعاء :{ استغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم بديع السموات والأرض وما بينهما من جميع جرمى وظلمى وما جنيت على نفسي وأتوب إليك، يا الله يا واحد يا أحد يا جواد يا واجد يا موجد يا باسط يا كريم يا وهَّـــاب يا ذا الطول يا غني يا مغني يا فتَّــــــاح يا رزاق يا حيُّ يا قيوم يا رحمن يا رحيم يا بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حنَّان يا منَّان انفحني منك بنفحة خير تغنيني بها عمن سواك{إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الْفَتْحُ}{إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً}{نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ}يا غني يا مغني يا حميد يا مجيد يا مبدئ يا معيـــــــــد يا رحيم يا ودود يا ذا العرش المجيد يا فعَّال لما تريد اكفني بحلالك عن حرامك واغنني بفضلك عمن سواك إنك على كل شئ قدير }ومنه ما رواه أبو عبد الله الورَّاق مرفوعاً وقال إنه استغفار الخضر عليه السلام وهو{ اللهم إني استغفرك من كل ذنب تبت إليك منه ثم عدت فيه واستغفرك من كل ما وعدتك به نفسي ثم لم أوفِ لك به واستغفرك من كل عمل أردت به وجهك الكريم فخالطه غيرك واستغفرك يا عالم الغيب والشهادة من كل ذنب أصبته في ضياء النهار وسواد الليل في مــــلأ أو خـــلاء أو ســـــرٍّ ، أو علانية يا حليم }ومن ذلك { يا رب استغفرك وأتوب إليك من مظالم كثيرة لعبادك قِبَلي فأيما عبد من عبادك كانت له مظلمة ظلمته بها في بدنه أو ماله أو عرضه وقد غاب أو مات ولا أستطيع ردَّها أو تحللها منه فأرضه عني بما شئت ثم هبها لي من لدنك فإنك واسع لذلك كله يا رب ما تصنع بعذابي وقد وسعت رحمتك كل شئ؟ يا رب وما عليك أن تكرمني برحمتك ولا تهني بذنوبي وما ينقصك أن تفعل ما سألتك وأنت واجد لكل خير واستغفرك لكل يمين مني حنثت فيها عندك علمت أو لم أعلم إلى يوم القيامة اللهم إني استغفرك لما قدمت ولما أخَّرت ولما أسررت ولما أسرفت ولما أعلنت ولما أنت أعلم به منِّي إلى يوم القيامة لا إله إلا أنت ربُّ السموات السبع وربُّ العرش الكريم }هذا وينبغي للعبد عند انبعاثه للاستغفار :
1-استشعار التوبة .
2-الاعتراف بالذنب .
3-الصدق في ذلك بالهمَّة والإخلاص فيه بالعزيمة ، مضمراً بقلبه ، متلفِّظاً بلسانه ، مقبلاً على ربه .
فقد روى أن رجلاً أتى إلى الحسن فشكا إليه الفقر وأتى آخر فشكا إليه الجدب وأتى آخر فشكا إليه جفاف بستانه وجاء آخر طالباً الولد فقال لكل منهم { استغفروا الله فقيل له في ذلك : رجالٌ يشتكون إليك ألواناً مختلفة ويسألون أنواعاً فأمرتهم كلهم بالاستغفار فقال : ما قلت من قبل نفسي شيئاً ولكني أخذت ذلك من قوله سبحانه و تعالى فى كتابه(فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً{10} يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً{11} وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً{12}
استغفر الله من عين نظـرت بها \ إلى القبيح فكان مبتدى نكدى
استغفر الله من ذنب خلوت به \ في الليل منفردا أو غير منفرد
استغفر الله من رزق بلغـت به \ إلى معاصي الله الواحد الصمد
استغفر الله من علم أردت به \ دنيا ولم أك في خير بمجتـهد
استغفر الله مما قلـت في غضب \

 وفي رضى ثم في مرح وفي حرد
استغفر الله غفَّار الذنـوب لما \ أسلفت معتمداً أو غير معتمد
استغفر الله من فعـل يخالطه \ ما ليس يرضى إلهي مدة الأبد
استغفر الله من جهلي ومن طمعي\ 

وشين شأني وعصـياني ومن أود
استغفر الله مما قد ذكرت من \ الأجناس من غافل منهم ومجتهد
استغفر الله مما لست أذكره أو \ ذكرته ، عـزَّ من بالعلم منفرد
 

صـلاةُ التوبَّـة
روى الإمام علي عن أَبُى بَكْرٍ أن رَسولَ الله قالَ(مَا مِنْ رَجُلٍ يُذْنِبُ ذنباً ثُمَّ يَقُومُ فَيَتَطَهَّرُثُمَّ يُصَلِّي ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ الله إلاَّ غَفَرَ لَهُ وفي رواية أخرى أنه يصلي ركعتين ويقول بعدهما : اللهم إني أتوب إليك من ذنب كـذا وكــذا اللهم إن هذا آخر العهد به) رواه ابن حبان والبيهقي وابن خزيمة واخرجه الترمذي وحسنه
صـلاةُ الضَّــالة
ركعتان فإذا فرغ قال : اللَّهُمَّ رَادَّ الضَّالَةِ وهَادِيَ الضَّالَةِ تَهْدِي مِنَ الضَّلالَةِ ارْدُدْ عَليَّ ضَالَّتِي بِقُدْرَتِكَ وسُلْطَانِكَ فًّانَّهَا مِنْ عطَائِكَ وَفَضْلِكَ ( رواه الطبراني في الثلاثة عن ابن عمر ) ويقرأ {يس }
صـلاةُ حفـظ القـرآن
عَن ابنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قالَ : بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ الله إذْ جَاءَهُ عَلِيُّ بنُ أَبي طَالِبٍ فقالَ : بِأبِي أَنْتَ وَأُمِّي تَفَلَّتَ هَذَا القُرْآنُ مِنْ صَدْرِي فَمَا أَجِدُنِي أَقْدِرُ عَلَيْهِ فقالَ لَهُ رَسُولُ الله: يَا أبَا الْحَسَنِ أَفَلاَ أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ الله بِـهِنَّ، وَيَنْفَعُ بِهِنَّ مَنْ عَلَّمْتَه ويُثَبِّتُ ما تَعَلَّمْتَ في صَدْرِكَ ؟ قالَ أَجَلْ يَا رَسُولَ الله فَعَلِّمْنِي قالَ : إذَا كانَ لَيْلَةُ الْجُمُعَةِ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَقُومَ في ثُلُثِ اللَّيْلِ الآخِرِ فَإِنَّهَا سَاعَةٌ مَشْهُودَةٌ وَالدُّعَاءُ فِيهَا مُسْتَجَابٌ وَقَدْ قالَ أَخِي يَعْقُوبُ لِبَنِيهِ { سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي} ـ يَقُولُ حَتَّى تَأْتِي لَيْلَةُ الْجُمُعَةِـ فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقُمْ في وَسَطِهَا ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقُمْ في أوَّلِهَا فَصَلِّ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ، تَقْرَأُ في الرَّكْعَةِ الأولَى بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ وَسُورَةِ يَس وَفي الرَّكْعَةِ الثّانِيَةِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ وحم الدُّخَانَ وَفي الرَّكْعَةِ الثّالِثَةِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ وألم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ وَفي الرَّكْعَةِ الرَّابِعَةِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ وَتَبَارَكَ المُفَصَّل فَإِذَا فَرِغْتَ مِنْ التَّشَهُّدِ، فاحْمَدِ الله وأحْسِنِ الثّنَاءَ عَلَى الله وَصَلِّ عَلَيَّ وَأَحْسِنْ وَعَلَى سَائِرِ النَّبِيِّينِ وَاسْتَغْفِرْ لِلْمُؤْمِنينَ والمُؤْمِنَاتِ ولإخْوَانِكَ الَّذِينَ سَبَقُوكَ بالإيمَانِ ثُمْ قُلْ في آخِرِ ذَلِكَ : اللّهُمَّ ارْحَمْنِي بِتَرْكِ المَعَاصِي أَبَداً مَا أَبْقَيْتَنِي وارْحَمْنِي أنْ أَتَكَلَّفَ مَا لاَ يَعْنِينِي وارْزُقْنِي حُسْن النَّظَرِ فِيمَا يُرْضِيكَ عَنِّي اللّهُمَّ بَدِيعَ السَّمٰاوَاتِ وَالأَرْضِ ذَا الْجَلاَلِ وَالإكْرامِ وَالعِزَّةِ التي لا تُرَامُ أَسْأَلُكَ يا الله يا رَحمٰنُ بجَلاَلِكَ ونورِ وَجْهِكَ أَنْ تُلْزِمَ قَلْبِي حِفْظَ كِتَابِكَ كَمَا عَلّمْتَنِي وَارْزُقْنِي أَنْ أتْلُوَهُ عَلَى النَّحْوِ الّذِي يُرْضِيكَ عَنِّي اللهم بديع السموات والأرض ذا الجلال والإكرام والعزَّة التي لا تُرام أسألك يا الله يا رحمن بجلالك ونور وجهك أن تنوِّر بكتابك بصري وأن تطلق به لساني وأن تفرج به عن قلبي وأن تشرح به صدري وأن تغسل به بدني فإنه لا يعينني على الحق غيرك ولا يؤتيه إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم )) يا أبا الحسن تفعل ذلك ثلاث جمع أو خمساً أو سبعاً تجاب بإذن الله والذي بعثني بالحق ما أخطأ مؤمناً قط.
قال عبد الله بن عباس : فوالله ما لبث عليّ إلا خمساً أو سبعاً حتى جاء رسول الله في مجلس ذلك المجلس فقال : يا رسول الله إني كنت فيما خلا لا أجد إلا أربع آيات ونحوهن وإذا قرأتهن على نفس تفلتن وأنا أتعلم اليوم أربعين آية ونحوها وإذا قرأتها على نفس فكأن كتاب الله بين عيني ولقد كنت أسمع الحديث فإذا رددته تفلت وأنا اليوم أسمع الأحاديث فإذا تحدثت بها لم أخرم منها حرفاً فقال له رسول الله عند ذلك :((مؤمنٌ وربِّ الكعبة يا أبا الحسن )) أخرجه الترمذي في جامعه والطبراني وغيرهما وقد قال المنذري : طرق أسانيد هذا الحديث جيدة ومتنه غريب جداً وكذلك قال ابن كثير .

الجمعة، 30 ديسمبر 2011

قصة هابيل وقابيل

يذكر لنا المولى عزّ وجلّ في كتابه الكريم الكثير عن حياة آدم عليه السلام في الأرض. لكن القرآن الكريم يروي قصة ابنين من أبناء آدم هما هابيل وقابيل. حين وقعت أول جريمة قتل في الأرض. وكانت قصتهما كالتالي.
كانت حواء تلد في البطن الواحد ابنا وبنتا. وفي البطن التالي ابنا وبنتا. فيحل زواج ابن البطن الأول من البطن الثاني.. ويقال أن قابيل كان يريد زوجة هابيل لنفسه.. فأمرهما آدم أن يقدما قربانا، فقدم كل واحد منهما قربانا، فتقبل الله من هابيل ولم يتقبل من قابيل. قال تعالى في سورة (المائدة):
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَإِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) (المائدة)

قصة آدم عليه السلام


آدم عليه السلام

أبو البشر، خلقه الله بيده وأسجد له الملائكة وعلمه الأسماء وخلق له زوجته وأسكنهما الجنة وأنذرهما أن لا يقربا شجرة معينة ولكن الشيطان وسوس لهما فأكلا منها فأنزلهما الله إلى الأرض ومكن لهما سبل العيش بها وطالبهما بعبادة الله وحده وحض الناس على ذلك، وجعله خليفته في الأرض، وهو رسول الله إلى أبنائه وهو أول الأنبياء.

خلق آدم عليه السلام:

أخبر الله سبحانه وتعالى ملائكة بأنه سيخلق بشرا خليفة له في الأرض. فقال الملائكة: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ).

ويوحي قول الملائكة هذا بأنه كان لديهم تجارب سابقة في الأرض , أو إلهام وبصيرة , يكشف لهم عن شيء من فطرة هذا المخلوق , ما يجعلهم يتوقعون أنه سيفسد في الأرض , وأنه سيسفك الدماء . . ثم هم - بفطرة الملائكة البريئة التي لا تتصور إلا الخير المطلق - يرون التسبيح بحمد الله والتقديس له , هو وحده الغاية للوجود . . وهو متحقق بوجودهم هم , يسبحون بحمد الله ويقدسون له, ويعبدونه ولا يفترون عن عبادته !

هذه الحيرة والدهشة التي ثارت في نفوس الملائكة بعد معرفة خبر خلق آدم.. أمر جائز على الملائكة، ولا ينقص من أقدارهم شيئا، لأنهم، رغم قربهم من الله، وعبادتهم له، وتكريمه لهم، لا يزيدون على كونهم عبيدا لله، لا يشتركون معه في علمه، ولا يعرفون حكمته الخافية، ولا يعلمون الغيب . لقد خفيت عليهم حكمة الله تعالى , في بناء هذه الأرض وعمارتها , وفي تنمية الحياة , وفي تحقيق إرادة الخالق في تطويرها وترقيتها وتعديلها , على يد خليفة الله في أرضه . هذا الذي قد يفسد أحيانا , وقد يسفك الدماء أحيانا . عندئذ جاءهم القرار من العليم بكل شيء , والخبير بمصائر الأمور: (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ).

وما ندري نحن كيف قال الله أو كيف يقول للملائكة . وما ندري كذلك كيف يتلقى الملائكة عن الله ، فلا نعلم عنهم سوى ما بلغنا من صفاتهم في كتاب الله . ولا حاجة بنا إلى الخوض في شيء من هذا الذي لا طائل وراء الخوض فيه . إنما نمضي إلى مغزى القصة ودلالتها كما يقصها القرآن .

أدركت الملائكة أن الله سيجعل في الأرض خليفة.. وأصدر الله سبحانه وتعالى أمره إليهم تفصيلا، فقال إنه سيخلق بشرا من طين، فإذا سواه ونفخ فيه من روحه فيجب على الملائكة أن تسجد له، والمفهوم أن هذا سجود تكريم لا سجود عبادة، لأن سجود العبادة لا يكون إلا لله وحده.

جمع الله سبحانه وتعالى قبضة من تراب الأرض، فيها الأبيض والأسود والأصفر والأحمر - ولهذا يجيء الناس ألوانا مختلفة - ومزج الله تعالى التراب بالماء فصار صلصالا من حمأ مسنون. تعفن الطين وانبعثت له رائحة.. وكان إبليس يمر عليه فيعجب أي شيء يصير هذا الطين؟

سجود الملائكة لآدم:

من هذا الصلصال خلق الله تعالى آدم .. سواه بيديه سبحانه ، ونفخ فيه من روحه سبحانه .. فتحرك جسد آدم ودبت فيه الحياة.. فتح آدم عينيه فرأى الملائكة كلهم ساجدين له .. ما عدا إبليس الذي كان يقف مع الملائكة، ولكنه لم يكن منهم، لم يسجد .. فهل كان إبليس من الملائكة ? الظاهر أنه لا . لأنه لو كان من الملائكة ما عصى . فالملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون . . وسيجيء أنه خلق من نار . والمأثور أن الملائكة خلق من نور . . ولكنه كان مع الملائكة وكان مأموراً بالسجود .

أما كيف كان السجود ? وأين ? ومتى ? كل ذلك في علم الغيب عند الله . ومعرفته لا تزيد في مغزى القصة شيئاً..

فوبّخ الله سبحانه وتعالى إبليس: (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ) . فردّ بمنطق يملأه الحسد: (قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ) . هنا صدر الأمر الإلهي العالي بطرد هذا المخلوق المتمرد القبيح: (قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ) وإنزال اللعنة عليه إلى يوم الدين. ولا نعلم ما المقصود بقوله سبحانه (مِنْهَا) فهل هي الجنة ? أم هل هي رحمة الله . . هذا وذلك جائز . ولا محل للجدل الكثير . فإنما هو الطرد واللعنة والغضب جزاء التمرد والتجرؤ على أمر الله الكريم .

قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (84) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (85) (ص)

هنا تحول الحسد إلى حقد . وإلى تصميم على الانتقام في نفس إبليس: (قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) . واقتضت مشيئة الله للحكمة المقدرة في علمه أن يجيبه إلى ما طلب , وأن يمنحه الفرصة التي أراد. فكشف الشيطان عن هدفه الذي ينفق فيه حقده: (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) ويستدرك فيقول: (إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) فليس للشيطان أي سلطان على عباد الله المؤمنين .

وبهذا تحدد منهجه وتحدد طريقه . إنه يقسم بعزة الله ليغوين جميع الآدميين . لا يستثني إلا من ليس له عليهم سلطان . لا تطوعاً منه ولكن عجزاً عن بلوغ غايته فيهم ! وبهذا يكشف عن الحاجز بينه وبين الناجين من غوايته وكيده ; والعاصم الذي يحول بينهم وبينه . إنه عبادة الله التي تخلصهم لله . هذا هو طوق النجاة . وحبل الحياة ! . . وكان هذا وفق إرادة الله وتقديره في الردى والنجاة . فأعلن - سبحانه - إرادته . وحدد المنهج والطريق: (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ) .

فهي المعركة إذن بين الشيطان وأبناء آدم , يخوضونها على علم . والعاقبة مكشوفة لهم في وعد الله الصادق الواضح المبين . وعليهم تبعة ما يختارون لأنفسهم بعد هذا البيان . وقد شاءت رحمة الله ألا يدعهم جاهلين ولا غافلين . فأرسل إليهم المنذرين .
تعليم آدم الأسماء:

ثم يروي القرآن الكريم قصة السر الإلهي العظيم الذي أودعه الله هذا الكائن البشري , وهو يسلمه مقاليد الخلافة: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا) . سر القدرة على الرمز بالأسماء للمسميات . سر القدرة على تسمية الأشخاص والأشياء بأسماء يجعلها - وهي ألفاظ منطوقة - رموزا لتلك الأشخاص والأشياء المحسوسة . وهي قدرة ذات قيمة كبرى في حياة الإنسان على الأرض . ندرك قيمتها حين نتصور الصعوبة الكبرى , لو لم يوهب الإنسان القدرة على الرمز بالأسماء للمسميات , والمشقة في التفاهم والتعامل , حين يحتاج كل فرد لكي يتفاهم مع الآخرين على شيء أن يستحضر هذا الشيء بذاته أمامهم ليتفاهموا بشأنه . . الشأن شأن نخلة فلا سبيل إلى التفاهم عليه إلا باستحضار جسم النخلة ! الشأن شأن جبل . فلا سبيل إلى التفاهم عليه إلا بالذهاب إلى الجبل ! الشأن شأن فرد من الناس فلا سبيل إلى التفاهم عليه إلا بتحضير هذا الفرد من الناس . . . إنها مشقة هائلة لا تتصور معها حياة ! وإن الحياة ما كانت لتمضي في طريقها لو لم يودع الله هذا الكائن القدرة على الرمز بالأسماء للمسميات .

أما الملائكة فلا حاجة لهم بهذه الخاصية , لأنها لا ضرورة لها في وظيفتهم . ومن ثم لم توهب لهم . فلما علم الله آدم هذا السر , وعرض عليهم ما عرض لم يعرفوا الأسماء . لم يعرفوا كيف يضعون الرموز اللفظية للأشياء والشخوص . . وجهروا أمام هذا العجز بتسبيح ربهم , والاعتراف بعجزهم , والإقرار بحدود علمهم , وهو ما علمهم . . ثم قام آدم بإخبارهم بأسماء الأشياء . ثم كان هذا التعقيب الذي يردهم إلى إدراك حكمة العليم الحكيم: (قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ) .

أراد الله تعالى أن يقول للملائكة إنه عَـلِـمَ ما أبدوه من الدهشة حين أخبرهم أنه سيخلق آدم، كما علم ما كتموه من الحيرة في فهم حكمة الله، كما علم ما أخفاه إبليس من المعصية والجحود.. أدرك الملائكة أن آدم هو المخلوق الذي يعرف.. وهذا أشرف شيء فيه.. قدرته على التعلم والمعرفة.. كما فهموا السر في أنه سيصبح خليفة في الأرض، يتصرف فيها ويتحكم فيها.. بالعلم والمعرفة.. معرفة بالخالق.. وهذا ما يطلق عليه اسم الإيمان أو الإسلام.. وعلم بأسباب استعمار الأرض وتغييرها والتحكم فيها والسيادة عليها.. ويدخل في هذا النطاق كل العلوم المادية على الأرض.

إن نجاح الإنسان في معرفة هذين الأمرين (الخالق وعلوم الأرض) يكفل له حياة أرقى.. فكل من الأمرين مكمل للآخر.

سكن آدم وحواء في الجنة:

اختلف المفسرون في كيفية خلق حواء. ولا نعلم إن كان الله قد خلق حواء في نفس وقت خلق آدم أم بعده لكننا نعلم أن الله سبحانه وتعالى أسكنهما معا في الجنة. لا نعرف مكان هذه الجنة. فقد سكت القرآن عن مكانها واختلف المفسرون فيها على خمسة وجوه. قال بعضهم: إنها جنة المأوى، وأن مكانها السماء. ونفى بعضهم ذلك لأنها لو كانت جنة المأوى لحرم دخولها على إبليس ولما جاز فيها وقوع عصيان. وقال آخرون: إنها جنة المأوى خلقها الله لآدم وحواء. وقال غيرهم: إنها جنة من جنات الأرض تقع في مكان مرتفع. وذهب فريق إلى التسليم في أمرها والتوقف.. ونحن نختار هذا الرأي. إن العبرة التي نستخلصها من مكانها لا تساوي شيئا بالقياس إلى العبرة التي تستخلص مما حدث فيها.

لم يعد يحس آدم الوحدة. كان يتحدث مع حواء كثيرا. وكان الله قد سمح لهما بأن يقتربا من كل شيء وأن يستمتعا بكل شيء، ما عدا شجرة واحدة. فأطاع آدم وحواء أمر ربهما بالابتعاد عن الشجرة. غير أن آدم إنسان، والإنسان ينسى، وقلبه يتقلب، وعزمه ضعيف. واستغل إبليس إنسانية آدم وجمع كل حقده في صدره، واستغل تكوين آدم النفسي.. وراح يثير في نفسه يوما بعد يوم. راح يوسوس إليه يوما بعد يوم: (هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى) .

تسائل أدم بينه وبين نفسه. ماذا يحدث لو أكل من الشجرة ..؟ ربما تكون شجرة الخلد حقا، وكل إنسان يحب الخلود. ومرت الأيام وآدم وحواء مشغولان بالتفكير في هذه الشجرة. ثم قررا يوما أن يأكلا منها. نسيا أن الله حذرهما من الاقتراب منها. نسيا أن إبليس عودهما القديم. ومد آدم يده إلى الشجرة وقطف منها إحدى الثمار وقدمها لحواء. وأكل الاثنان من الثمرة المحرمة.

ليس صحيحا ما تذكره صحف اليهود من إغواء حواء لآدم وتحميلها مسئولية الأكل من الشجرة. إن نص القرآن لا يذكر حواء. إنما يذكر آدم -كمسئول عما حدث- عليه الصلاة والسلام. وهكذا أخطأ الشيطان وأخطأ آدم. أخطأ الشيطان بسبب الكبرياء، وأخطأ آدم بسبب الفضول.

لم يكد آدم ينتهي من الأكل حتى اكتشف أنه أصبح عار، وأن زوجته عارية. وبدأ هو وزوجته يقطعان أوراق الشجر لكي يغطي بهما كل واحد منهما جسده العاري. وأصدر الله تبارك وتعالى أمره بالهبوط من الجنة.

هبوط آدم وحواء إلى الأرض:

وهبط آدم وحواء إلى الأرض. واستغفرا ربهما وتاب إليه. فأدركته رحمة ربه التي تدركه دائما عندما يثوب إليها ويلوذ بها ... وأخبرهما الله أن الأرض هي مكانهما الأصلي.. يعيشان فيهما، ويموتان عليها، ويخرجان منها يوم البعث.

يتصور بعض الناس أن خطيئة آدم بعصيانه هي التي أخرجتنا من الجنة. ولولا هذه الخطيئة لكنا اليوم هناك. وهذا التصور غير منطقي لأن الله تعالى حين شاء أن يخلق آدم قال للملائكة: "إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً" ولم يقل لهما إني جاعل في الجنة خليفة. لم يكن هبوط آدم إلى الأرض هبوط إهانة، وإنما كان هبوط كرامة كما يقول العارفون بالله. كان الله تعالى يعلم أن آدم وحواء سيأكلان من الشجرة. ويهبطان إلى الأرض. أما تجربة السكن في الجنة فكانت ركنا من أركان الخلافة في الأرض. ليعلم آدم وحواء ويعلم جنسهما من بعدهما أن الشيطان طرد الأبوين من الجنة، وأن الطريق إلى الجنة يمر بطاعة الله وعداء الشيطان.

الثلاثاء، 27 ديسمبر 2011

الإنفجار العظيم

 قال الله تعالى: {أَوَ لَمْ يَرَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا} [الأنبياء: 30]
التفسير اللغوي:
قال ابن منظور في لسان العرب:
رتْقاً: الرَّتْقُ ضدّ الفتْقُ.
وقال ابن سيده: الرَّتْقُ إلحام الفتْقِ وإصلاحه، رتَقَه يرتُقُه ويرتِقُه رتقاً فارتتق أي التَأَم.
ففتقناهما: الفتقُ خلاف الرتق، فتقه يفتقُّه فتقاً: شقه.
الفتق: انفلاق الصبح.
فهم المفسرين:

قال الإمام الرازي في تفسير قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا}.

اختلف المفسرون في المراد بالرتق والفتق على أقوال:

أحدها: وهو قول الحسن وقتادة وسعيد بن جبير ورواية عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهم أن المعنى كانتا شيئاً واحداً ملتصقتين ففصل الله بينهما ورفع السماء إلى حيث هي، وأقرّ الأرض، وهذا القول يوجب أن خلق الأرض مقدم على خلق السماء لأنه تعالى لما فصل بينهما ترك الأرض حيث هي وأصعد الأجزاء السماوية، قال كعب: "خلق الله السموات والأرض ملتصقتين ثم خلق ريحاً توسطتهما ففتقهما بها".

أَنْوَاعُ الإِسْتِغْفَار

أفضله ما رواه البخاري مرفوعاً أَنِ النَّبِيِّ قَالَ(إنَّ سَيِّدَ الاِسْتِغْفَار أَنْ يَقُولَ الْعَبْدُ : اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لاَ إلهَ إلاَّ أَنْتَ خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ أَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِيِ وَأَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ فَاغْفِرْ لِي فَإنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنـُوبَ إلاَّ أَنْتَ فَإنْ قَالَهَا حِينَ يُصْبِحُ مُوقِنـا بِهَا فَمَاتَ دَخَـلَ الْجَنَّـةَ وَإنْ قَالَهَا حِينَ يُمْسِي مُوقِنـا بِهَا ؛ دَخَلَ الْجَنَّةَ) ومنه ما ورد عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه فى صحيحى البخارى ومسلم رضى الله عنهما(أَنَّهُ قَالَ لرَسُولَ الله عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ في صَلاَتِي قَالَ : قُلْ .: اللَّهُمْ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْماً كَثِيراً ولاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلاّ أنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحيمُ)

طَلَبُ الْمَغْفِــرَة

ولهذا ينبغي للدَّاعي الطالب للإجابة أن يلازم بعد التوبة على الاستغفار بأنواعه ويواظب عليه لأن الاستكثار منه أناء الليل وأطراف النهار يصفِّي القلوب من الصدأ والأكدار ويخفِّف الظهور من ثقل الأوزار ويوصل الملازمين له والمواظبين عليه إلى منازل العارفين من الأخيار ويفضي بهم إلى حصول المطالب وقضاء الأوطار ولذلك روى مسلم في صحيحه عَنْ الأَغَرِّ الْمُزَنِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللّهَ قَال(إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَىٰ قَلْبِي وَإِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللّهَ فِي الْيَوْم مِائَةَ مَرَّةٍ) وروى الترمذي مرفوعاً(مَنْ لَزِمَ الاسْتِغْفَارَ جَعَلَ الله لَهُ مِنْ كُلِّ هَمَ فَرَجاً ومِنْ كُلِّ ضِيْقٍ مَخْرَجاً ورَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ)وعن ابنِ عُمَرَ فى سنن أبى داوود قال

تَوَجُّهَاتُ الْسَّلَفِ الْصَّالِحِ فِى الإِسْتِغَـاثَاتِ و الْدُّعَــاء

حرصنا على أن نبيَّن نهج سلفنا الصالح في التوجه إلى الله بالاستغاثة أو الدعاءلأنه ظهر في عصرنا من ينكر قراءة الأوراد والأحزاب الواردة عن الصالحين بل ويُعِدُّ ذلك " بدعة " يجب القضاء عليها ويبرِّر ذلك بقوله : الأوْلى الاشتغال بالقرآن والسنَّة ، وهذا يرجع في نظرنا إلى أمرين :
إما رؤيتهم لبعض المنتسبين للصالحين والذين يدَّعون الحبَّ للصالحين ولكن لا يتابعونهم في سلوكهم وهديهم
وحكمهم على أهل الطريق كلهم من خلال هذه النظرة القاصرة.

عِلاجُ الْهَمِّ دِينِيَّـاً وَ عِلْمِيَّـاً

عِلاجُ الْهَمِّ دِينِيَّـاً وَ عِلْمِيَّـاً
خلق الله الإنسان وهو العليم بخلقه يتأثر بالصدمات النفسيَّة هلوعاً عند الخطوب جزوعاً إذا مسَّه الشر مما يجعل هذه الهموم والخطوب تصيب الإنسان بالجزع والخوف والتوتر النفسي والعصبي وخطورة هذا الهلع والجزع والاضطراب النفسي على الإنسان أنه يعرِّضه للإصابة بكثير من الأمراض مثل الضغط والسكر وتصلُّب الشرايين والذبحة الصدرية والجلطة وانفجار شرايين المخِّ والجنون وكثير مما نرى من الأمراض وما

السبت، 17 ديسمبر 2011

صور عبد الفتاح درويش

كيف يكون التوكل على الله

إن الله كان قبل الهجرة بعام أخذ حبيبه فى رحلة الإسراء والمعراج أخذه من مكة إلى بيت المقدس ومن بيت المقدس إلى السموات العلى سماءاً تلو سماء وكما قال{بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام وعرض كل سماء مسيرة خمسمائة عام وبين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام} [1]اجتاز كل هذه السموات ودخل الجنات وذهب إلى العرش ثم تجاوز العرش إلى قاب قوسين أو أدنى ورجع وفراشه الذى كان ينام عليه لم يبرد بعد رب العزة الذى فعل معه ذلك لماذا جعله يخرج والقوم يتربصون به؟ ويختبأ فى الغار ثلاثة أيام؟ ثم يسلك طريقاً غير الطريق الذى يمشى فيه سائر الأنام؟وتستمر الهجرة من مكة إلى المدينة لمدة أسبوع على التمام؟ليوضح لنا الله أجمعين ونحن أمة الإجابة آمنا بالله وصدقنا برسول الله وفوضنا أمورنا كلها إلى حضرة الله وتوكلنا فى كل أحوالنا وأعمالنا على الله، فالله يضرب لنا المثل فى حبيبه ومصطفاه أن من اعتمد على الله كفاه مولاه كل هم وكل غم وفرَّج الله عنه كل الشدات والكربات كما فعل تماماً بتمام مع الحبيب المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام وانتبه معى إلى قول الله لنا وللمعاصرين للنبى الأمين من عاونوه ومن تخلوا عنه ومن حاربوه يخاطب الكل فيقول{إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ}لم يقل الله(فقد ينصره الله) لأن معناها أن النصر سيأتى فى المستقبل لكن الله أخبر فى كتابه وكتابه قبل القبل أنه نصر حبيبه قبل خلق الخلق قبل إيجاد الأكوان وقبل إيجاد أى شئ فى عالم الدنيا جعل الله حبيبه منصوراً أينما حلَّ وأينما ذهب وحيثما كان نصره الله فكفاه شر أعداءه فخرج من بينهم وهم متربصون بالبيت ويترقبون خروجه وأخذ الله أبصارهم فلم يرونه وذهب النبى وتكفل الله بحمايته حماه فى الغار وحماه عندما خرج من الغار وهو سائر فى الطريق إلى الأنصار وجعل من جملة جنده الذين يؤيدونه ويدفعون عنه الأرض فقال له الأمين جبريل:الأرض طوع أمرك فمُرها بما شئت فمن لحقه منهم قال للأرض: خذيه فانشقت وأخذته فلما استغاث به قال لها: دعيه، فتركته فلما عاود ما فى ذهنه قال لها: خذيه فأخذته وتكرر الأمر منه إلى الأرض ثلاث مرات وهى لا تعصى له أمراً لأن الله أمرها أن تكون طوع أمره ثم تاب هذا الرجل من فعله وجعله الله جندياً يدافع عن النبى فذهب إلى قومه وعَمَّى عنهم الطريق الذى سلكه النبى وكلما سألوه عن الطريق الذى سار فيه يقول لهم:أنا مشيت فى هذا الطريق ولم أجد فيه أحد فاذهبوا إلى غيره فكانت عناية الله معه أينما حلَّ وكيفما صار:
وقاية الله أغنت عن مضاعفة ة من الدروع وعن عال من الأطم
فالصدق فى الغار والصديق لم يرما وهم يقولون ما بالغار من إرم
ظنوا الحمام وظنوا العنكبوت على خير البرية لم تنسج ولم تحم
حماه الله بما علمناه جميعاً ثم أراد الله إعزازه عند دخول المدينة المنورة فلم يجعله يدخل دخول الخائفين أو الفارين وإنما جعله يدخل دخول الفاتحين فانظر معى إلى عناية الله فى تجميل نبيه وصفيه ليدخل المدينة دخول الفاتحين سمعت قبيلة اسمها أسلم عن الجائزة التى جهزها الكفار لمن يأتى بالنبى حياً أو ميتاً فخرج رجل منهم يُسمى بُريدة الأسلمى ومعه سبعين رجلاً مدججين بالسلاح يبحثون عن النبى فى الطريق الذى سلكه ليظفروا بالجائزة وبينما هم سائرون إذا بالنبى أمامهم فقال له: مَن الرجل؟قال: بُريده، فالتفت إلى أبى بكر وقال: بَرُد أمرك يا أبا بكر ثم قال للرجل: ممن الرجل؟ أى من أى قبيلة؟قال: من أسلم فالتفت إلى أبى بكر وقال: سلمت يا أبا بكر فقال الرجل: ومَن أنت؟ قال: أنا محمد رسول الله لم يتنكر ولم يتخفى لأنه يعلم أن الله يؤيده ويعززه وينصره – فشرح الله صدر الرجل للإسلام وشرح الله صدور من معه للإسلام فدخل السبعون فى الإسلام وقال الرجل: يا رسول الله أتدخل المدينة هكذا؟لا والله لا يكون فخلع رباط عمامته – الشال الذى يضعه على عمامته – وركزه على رمحه على هيئة عَلَم وصفَّ السبعين رجلاً وقسمهم إلى صفين صف عن اليمين وصف عن اليسار وقال: يا رسول الله أنا أتقدم أمامكم وأنت تمشى فى مؤخرة الصفين ليدخل المدينة دخول الفاتحين ومعه كتيبة جهزها له رب العالمين، ليكون بذلك إعزازاً لحضرته وتقويةً لإرادته وعبرة لنا أجمعين لنتقى الله ونعلم صدق قول رب العالمين{وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} وسار النبى بهذه الكتيبة الإلهية هل يدخل المدينة بهذه الهيئة وثيابه كانت تغيرت من أثر السفر؟قيَّد الله وهو العزيز أن يُعز نبيه فكان عبد الرحمن بن عوف فى تجارة فى بلاد الشام ووجد ثوباً لا يصلح إلا للملوك فقال فى نفسه: أشترى هذا الثوب لرسول الله وكان الزبير بن العوام أيضاً فى بلاد الشام ورأى ثوباً آخر يضاهى الأول من ثياب الملوك فقال: أشتريه لرسول الله لأن هذا الثوب لا يليق أن يلبسه إلا حضرة النبى وقبل مدخل يثرب بقليل إذا بعبد الرحمن بن عوف وإذا بالزبير بن العوام ومعهم الثياب المخصصة للملوك فجاء الإثنين معاً وقالا: يا رسول الله لا تدخل المدينة بهذه الهيئة ولكن البس هذه الثياب التى لا تليق إلا بالملوك لأن الله يُعزك دوماً وينصرك أبداً على الدوام فلبس النبى ثياب الملوك ومشى والجند عن يمينه وعن يساره داخلاً المدينة المنورة فى بيت من ينزل حضرة النبى؟ من يحظى بهذا الشرف؟ كان الأنصار أجمعين حريصين على هذا الشرف الكبير فوقف كل رجل منهم أمام داره ينتظر موكب النبى ويَعزم عليه أن ينزل فى ضيافته ويقول: يا رسول الله انزل هاهنا هنا كرم الضيافة هنا العدد وهنا العدة هنا أهلك وذويك هنا ناصروك ولكن النبى يشير إلى الناقة ويقول: دعوها فإنها مأمورة ومشت الناقة حتى أتت إلى مكان كانوا يضعون فيه البلح ليجف ويصير تمراً وبركت فى هذا الموضع وجاء الجميع يتسابق لأخذ عتاد رسول الله ليكون عندهم فسبقهم أبو أيوب الأنصارى وأخذ عتاد النبى عنده وذهبوا للنبى فقال: الرجل ينزل حيث ينزل رحله ثم دخل عند أبى أيوب وقال: يا أبا أيوب أين كتاب تُبَّعْ؟ فقال: يا رسول الله والذى بعثك بالحق إننا دائماً وأبداً نزيد فيك يقيناً ما قصة كتاب تُبَّع؟ تُبَّع رجل غزا المدينة قبل هجرة النبى بثلاثمائة عام وكان اليهود هاجروا إلى المدينة لعلمهم أنها موطن هجرة خاتم الأنبياء والمرسلين فلما أراد تُبع دخولها أرسلوا إليه وقالوا: إنك لن تستطيع دخولها لأنها موضع هجرة النبى الذى سيبعث فى آخر الزمان وذكروا له أوصافه التى قال الله عنها فى القرآن ومعرفتهم برسول الله{يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ}وكان تُبع معه جمع من العلماء يسيرون معه فجمعهم فسألهم فصدَّقوا ما قال اليهود فبنى لكل رجل من هؤلاء العلماء بيتاً فى المدينة من طابق واحد وأعطاه زاداً ونفقة وزوَّجه بجارية وأمره أن يقيم إلى حين بعثة النبى فينصر النبى وبنى لزعيم العلماء بيتاً من طابقين وقال له: هذا البيت أمانة عندك فإنى قد بنيته للنبى فهو ملك للنبى ولذلك ذكره فيما معناه{أول من آمن بى تُبَّع}وترك رسالة وجعلها فى حُقٍ من زمرد عند هذا الرجل زعيم العلماء كتب فيها [2]:
شَهِدتُّ عَلَى أَحْمَدٍ أَنَّهُ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ بَارِي النَّسَم
فَلَوْ مُدَّ عُمْرِي إلَى عُمْرِهِ كُنْتُ وَزِيراً لَهُ وَابْن عَمّ
وجَالدتُ بالسْيفِ أعداءه وفَرجُتُ عن صَدْرهِ كل هم
فاطَّلع النبى على الرسالة وعلِم أنه نزل فى بيته الذى بناه المليك له ولم ينزل فى بيت أحد غيره وكان هؤلاء العلماء هم الذين تناكح وتناسل منهم الأنصار الذين آوو النبى ونصروه كان هذا إعجازالله للنبى لنعلم علم اليقين أن كل من يمشى على منهج هذا النبى ويتقى الله جل فى علاه ويصنع فى كل أحواله ما يحبه الله ويرضاه يتأسى فى كل أحواله بحبيب الله ومصطفاه فإن عناية الله لا تتخلف عنه نَفَساً فى هذه الحياة كذا أُمة النبى لو صاروا أجمعين على نهج النبى وأقاموا شرع الله بينهم وجعلوا كتاب الله حَكَماً لهم فى كل أحوالهم فإن الله يدفع عنهم كل أعداءهم وينصرهم على كل من عاداهم ويجعل بلادهم مملوءة بالخيرات والمبرات{كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ }

[1] تهذيب سنن أبي داوود والأسماء والصفات للبيهقي عن عبدالله بن مسعود

[2] تفسير القرطبي وابن كثير (سورة الدخان).

الهجرة وعلاجها لمشاكل المجتمع

إخواني جماعة المؤمنين.. يا من أغناكم الله بهذا الدين ووضع لكم وبين أيديكم كنوز الغنى التي بها لا تحتاجون للأولين ولا للآخرين فما من شئ يصيبكم في أنفسكم أو في مجتمعكم أو في بيوتكم أو في أزواجكم أو في أولادكم أو في أرزاقكم أو شئ من أحوالكم إلا وتجدون الشفاء التام فيه جاهزاً إما في كتاب الله وإما في سنة سيدنا ومولانا رسول الله وإني لأعجب كيف يتيه عبد عن علاج نفسه؟ أو كيف يتعب في علاج زوجه؟ أو كيف ييأس من إصلاح ولده؟ أو كيف يبحث عن سبيل لإصلاح مجتمعه؟ وبين يديه كتاب الله يقلبه وبين يديه سنة سيدنا ومولانا رسول الله يستوضحها وهو القائل{أَيُّها النَّاسُ إنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ الله وسنتي}[1]إذن من ضل ومن ذل ومن هوى ومن بعد ومن تعب فإنما هو لأنه لم يتمسك بما أمره به ونحن في العام الهجري الجديد هل من جديد يصلح حالنا؟ أو هل من جديد يغير شأننا؟ هل من جديد يحول أحوالنا إلى أحوال ترضي ربنا

طرق تزكية النفس

بإختصارٍ شديد تزكية النفس أو مراقى النفس لها أنواع، فمن الممكن لكل واحدٍ أن يدخل فى نوعٍ من هذه الأنواع ويكتفى به، وإما أن يترقى  - وهذا للأفراد - فى هذه الأنواع كلها، وهى أربعة أنواع.
تزكية النفس يكون إما عن طريق الصُحبة، أى صُحبة العارفين والصالحين والمُتقين والروحانيين، وهذا النوع من أسرع الطُرق فى تزكية النفس، لأن الإنسان سريع النقل ممن يجالسه .. حتى أن الإنسان إذا داوم الجلوس مع بعض الناس أو مع إنسان آخر تجده بعد مُدّة ـ طالت أو قصُرت ـ يتشبّه بهم فى الأقوال والأفعال حتى الحركات لأن العدوى تُصيبه وهو لا يشعر!! ولذلك أسرع طريق لتزكية النفس هو صُحبة الصالحين، وهذا هو ما قال الله فى كتابه(119التوبة):

(" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ

دروس الهجرة

إن أحداث الهجرة في ذاتها والحمد لله معظمنا بل أغلبنا يعلمها ويحفظها جيداً لكن الله أمرنا أن نستلهم العبر ونأخذ المثل والقدوة من سير الأنبياء والمرسلين وذلك حين يقول عز شأنه{لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ}وسنأخذ ثلة صغيرة من الدروس التي ينبغي على شبابنا وفتياتنا أن يتعلموها ويتعلمنها من هجرة النبي أولاً وقبل كل شيء قبل الهجرة بوقت قصير أخذ الله رسوله بصحبة الأمين جبريل من مكة المكرمة إلى بيت المقدس ثم صعد به سماءاً تلو سماء حتى وصل إلى سدرة المنتهى ولنعلم مدى عظمة هذه الرحلة فقد قال{كِثَفُ الأَرْضِ مَسِيرَةُ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ وَبَيْنَ الأَرْضِ الْعُلْيَا وَالسَّمَاءِ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ، ثُمَّ بَيْنَ كُل سَمَاءٍ وَالسَّمَاءِ الدُّنْيَا خَمْسُمِائَةِ عَامٍ، وَكِثَفُ السَّمَاءِ سِتُّمِائَةِ عَامٍ، ثُمَّ كُلُّ سَمَاءٍ

الأربعاء، 14 ديسمبر 2011

فضل النية : لفضيلة الشيخ فوزى محمد ابوزيد


وأنها روح كل الأعمال التى يتوجه بها المرء إلى رب البرية فالأعمال كالأجسام الجسم ظاهره الأعضاء وروحه التى تحركه وتسيره هى الروح التى نفخها فيه الحى القيوم كذلك أعمال العباد نحو رب العباد ظاهرها أوامر الشرع التى أمرنا بها الله وكلفنا بها فى كتابه أو على لسان حبيبه ومصطفاه وباطن الأعمال الذى لا حياة لها إلا به هو النية فالنية روح الأعمال ولذا قال الحبيب{إنَّمَا الأعمَالُ بالنِّيَّات وَإِنَّمَا لكل امرىء ما نَوَى فَمنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلى الله وَرَسُولِهِ فَهَجْرَتُهُ إلى الله وَرَسُولِهِ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أو امْرَأةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إلى مَا هَاجَرَ إلَيْهِ}[2]فالعمل بالظاهر امتثال لأمر الشارع الأعظم واقتداء بالحبيب لكن ثوابه وأجره وفتحه وقبوله كل ذلك يتوقف على نية العامل فيه إن كان يريد به رضاء الناس والسمعة والشهرة عند الخلق كان عمله رياءاً فالرياء هو العمل من أجل الخلق أى لا يقصد به إلا الخلق لا نية فيه من قريب أو بعيد للحق كل همه وبغيته فيه العمل الخلق وفي مثله يقول النبى{مَنْ صَلَّى يُرَائِي فَقَدْ أَشْرَكَ ومَنْ صَامَ يُرَائِي فَقَدْ أَشْرَكَ وَمَنْ تَصَدَّقَ يُرَائِي فَقَدْ أَشْرَكَ}[3]والحديث بيان لقول الله جل فى علاه{فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً}وشرط قبوله{وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً}أى لا يجعل فى نيته عند توجهه للعمل أو قيامه به رغبة فى السمعة عند الخلق أو اكتساب المحمدة أو التفاخر أو التظاهر أو حتى الإعجاب بنفسه لأنه يعمل هذا العمل دون غيره لأن هذا فى نظر الله وفى كتابه شرك لا يُقبل العمل به وقد قال فيه النبى : يقول الله تعالى فى حديثه القدسى{ أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ . مَنْ عَمِلَ عَمَلاً أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ }[4]كل من عمل عملاً أشرك فيه مع الله فى الوجهة والقصد الخلق أو النفس أو السمعة أو حب الظهور فإنه بذلك حُرم القبول فى هذا العمل لأنه لم يأتى بالمواصفات الربانية التى اشترطها رب البرية لقبول الأعمال من حميع البرية وهى الإخلاص، والإخلاص يعنى أن يطلب بالعمل وجه الله{فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}وهذا العمل قد يظن البعض أنه فى العبادات وهل هناك للمؤمن عمل ليس داخل فى باب العبادات؟إن المؤمن لو أخلص لله القصد والنية كانت حركاته وسكناته كلها بالكلية عبادة وطاعة لرب البرية حتى تناول الطعام وحتى نكاح زوجته وحتى مداعبة أولاده وحتى تخفيف الحزن عن مصاب وعيادة المريض كل عمل يستطيع الإنسان أن يجعله عملاً صالحاً متقبلاً عند الله إذا سبقه بنية خالصة، بأن يبغى بهذا العمل وجه الله والدار الآخرة ثم بعد ذلك يبغى إرضاء الخلق لا بأس المهم أن ينوى أولاً وجه الله والدار الآخرة فلو عملت عملاً أبغى به وجه الله - وكنت قدوة فى مكانى - وعملت هذا العمل أمام غيرى ليقتدوا بى كان لى أجرين فهناك فرق بين ذلك وبين الرياء فالرياء هو الذى لا يقصد صاحبه من وراء العمل إلا الخلق كأن يصلى ليقولوا عليه رجل صالح وإذا لم يروه ربما لا يُصلى ولذلك وضع الأئمة الكرام ميزاناً للأُمة فى هذا المقام فقالوا: من عمل العمل فى الظاهر أمام الخلق، وإذا عمله فى الخفاء لا يزيد عن ذلك أى أن عمله أمام الخلق كعمله بمفرده أمام الحق، فهذا هو الإخلاص أما إذا كان يعمل العمل أمام الحق، وإذا رآه الخلق زاد فى تحسينه وزاد فى تهيئة نفسه، فهذا داخله نوع من الرياء - ليس كله رياء - ولابد أن ينزه نفسه عنه، أو إذا عمل العمل ورآه الناس تشجع واستمر فيه، وإذا عمله بمفرده لم يواصل وانقطع فهذا فيه شبهة رياء لأنه يقصد بالعمل وجه الله لكن الأتم والأكمل والأفضل أن يعمل العمل يبغى به وجه الله سواء عمله أمام الحق فقط أو أمام الحق والخلق، فإنه لا يبغى فى كلتا الحالتين إلا ابتغاء وجه مولاه جل فى علاه وهذا ملحظ دقيق يلاحظه الصالحون فى كل زمان أو مكان ليُخلصوا الأعمال لله فإن الله ضرب مثلاً للعمل الخالص وقال فيه مُشبهاً له{مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً سَآئِغاً لِلشَّارِبِينَ}يصنع الله اللبن الذى نشربه من بين الروث الموجود فى كرش الحيوانات والدم الذى يجرى فى عروقها، لو وجدت فى اللبن قليلاً من الدم لا تستطيع أن تشربه ولا تستسيغه ولو وجدت فيه ولو قليلاً جداً من الروث لا تستطيع أن تشربه ولا أن تبلعه، ولكن الله خلَّصه من ذلك وذلك، مع أنه خرج من بينهما ليعرفنا كيفية الإخلاص لرب البرية وأشار فى ذلك الصالحون إشارة عالية فى هذا المعنى القرآنى - وإن كان المعنى الظاهرى لا نهمله بل نقره ونعترف به – فقالوا: الدم إشارة إلى النفس يجرى من ابن آدم مجرى الدم والفرث إشارة إلى الجسم لأنه يتغذى من هذه الأشياء التى تخرجها بطن الأرض، فإذا كان العمل يتلذذ به الجسم، ويظهر به ويحصل صاحبه على الإعجاب بسببه، فهذا العمل ليس خالصاً لله فالعمل بالجسم يراه الخلق، وإذا كان العمل ليراه الخلق ففيه شبهة، وإذا كان العمل لتَطَلُع فى النفس كحب الشهرة وحب السمعة أو الإعجاب بالنفس أو حب المدح أو حب الثناء كان أيضاً عملاً فيه شائبة رياء ولكى يكون العمل خالصاً لله ينبغى ألا يكون فيه حظ لا للنفس ولا للجسم، بل يكون الإنسان يبغى به وجه الله والذى يتمتع به القلب الصافى الخالى من النزغات والنزعات، الذى يتوجه به صاحبه إلى مولاه جل فى علاه فهجرة المؤمن الدائمة فى كل لمحة وفى كل طرفة إلى الله، لأنه فى كل لمحة أو طرفة يتوجه بجارحة من جوارحه إلى حضرة الله بعمل إما عمل يخرج من اللسان وإما عمل تفعله العين وإما خطاب تستنصت وتستمع إليه الأذن وإما عمل باليد وإما عمل بالقدم وإما عمل بالفرج وكل هذه الأعمال يستطيع المؤمن أن ينال بها رضاء الواحد المتعال إذا سبقها بنية صادقة صالحة فى هذا العمل يبتغى بها رضاء الله ثم يتممها على نهج الحبيب نية ثم اقتداء بخير البرية بهذا ينال العبد الأمنية وقد قال الله له قل لهم{قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ }فحياته كلها لله بل موته كله لله كلمة الموت تعنى النوم لأنه إذا نام فإنما يستعين بالنوم على القيام لطاعة من لا تأخذه سِنة ولا نوم فيكون نومه أيضاً لله لأنه ينام رغبة فى القيام بعد ذلك بنشاط فى طاعة الله ولذلك كان النبى يقول{إنَّ عَيْنَيَّ تَنامانِ وَقَلْبي لا يَنامُ}[5]إذا كان العمل لله لا يستطيع أجره ولا نوره ولا ثوابه غير الله حتى الملائكة المقربين لا اطلاع لهم على ذلك، والدليل أن الإنسان عندما يصوم ولا يعلم حقيقة الصيام إلا الله الذى لا تخفى عليه خافية، يقول فيه الله جل فى علاه{ كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، إِلاَّ الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِى، وَأَنَا أَجْزِى بِهِ }[6]أى أنا الذى أضع جزاءه وثوابه لأنه لا يستطيع وضع ذلك الثواب غيرى، حتى الملائكة لا يعرفون ذلك أو إن شئت قلت أن معنى(وَأَنَا أَجْزِى بِهِ)أنا ورؤية وجهى ومشاهدة جمالى وجلالى وكمالى هو جزاء الصائمين وهذا فى قول النبى{ لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ }[7]فهذا أجر لا يستطيع أحد نعته ولا وصفه لأنها خصوصية من الله لصاحب هذا المقام وكل أعمال المُخلِصين والمُخلَصين وورد فى الأثر(أن الإخلاص سر من أسرارى أستودعه قلب من أحب من عبادى لا يطلع عليه شيطان فيفسده ولا ملك فيكتبه[8]لأن المَلك لا اطلاع له على القلوب وإنما يرى الأعمال ويسجلها كما يراها فى الظاهر أما الباطن فلا يعلمه إلا من يقول للشئ كن فيكون{فَمَنْ كانتْ هِجْرَتُه إِلى دُنْيَا يُصِيبُها أَوْ إِلى امْرَأَةٍ يَنْكِحُها – أو ما شابه ذلك من الأمور الدنيوية –فَهِجْرَتُه إِلى ما هاجَرَ إِلَيه }فكان الصالحون فى كل زمان ومكان لهم فى بداية العام الهجرى وقفة صادقة لتصحيح مراد النفس ونواياها وطواياها لتستعيد مكانتها عند مولاها وخالقها وبارئها فيسارعون إلى تخليص القلوب – وهى موضع الطوايا والنوايا – من كل شائبة تشوب الأعمال والأحوال والأقوال عند صدورها لأنهم يراعون علام الغيوب حتى يَصلون إلى المقام العلى الذى يقول فيه المولى فى كتابه القرآنى{وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ)أى يجب أن تعمل وتعلم علم اليقين أن العمل الذى تعمله أو ستعمله فيما يستجد من أيامك ويُستقبل من عمرك سيراه الله ورسوله والمؤمنون بهذه الكيفية أى اجعل الله أول قصدك، والتأسى بالحبيب غاية مرادك، والخلق إن كنت تريد أن يتأسوا بك ويقتدوا بك فهى فى المرتبة الدنيا من نواياك وطواياك وأحوالك، تصيب القصد وتحقق المراد لأن هذا هو المنهج الذى وضعه الله للسابقين والمقربين فى كل زمان ومكان، إذا غيَّر المرء هذا النسق وجعل غايته العظمى الخلق وادَّعى بعد ذلك أنه يريد بعمله الحق فإنه يغش نفسه{ مَنْ غَشَّنا فَلَيسَ مِنَّا }[9]فأول العام الهجرى وقفة مع النفس راجع نفسك وراجع أعمالك التى عملتها فى العام المنصرم وضع لنفسك قاعدة تنال بها رضاء الله فيما يُستقبل من الأيام واعلم علم اليقين أن الخلق أجمعين لو اجتمعوا على أن يُثيبوك على عمل ولو تسبيحة واحدة لله ما استطاعوا أجمعين واعلم أن الخلق أجمعين لو التفوا حولك وأحاطوا بك ما استطاعوا أن يُقربوك قدر أنملة لرضاء رب العالمين فاقصد الله وعامل الله بإخلاص وصدق ويقين بمثل ذلك يجدد الإنسان أحواله، بتجديد نواياه لله ولذلك كان بعض الصالحين لا يخرج من بيته متوجهاً إلى أى عمل حتى يُحقق نواياه ويقول فى ذلك{إنى لا أخرج من بيتى إلا إذا استجمعت سبعين نية كلها لله )وسبق الصالحين ليس بالكم ولكن بهذه النوايا على سبيل المثال: لماذا أذهب إلى الندوات الدينية؟أذهب لطلب العلم وطالب العلم فى سبيل الله حتى يرجع هذه نية أذهب للتوادد فى الله والزيارة للإخوان الصادقين فى الله وفيها يقول{مَن عَادَ مَرِيضاً أَوْ زَارَ أَخاً لَهُ في الله نَادَاهُ مُنَادٍ أَنْ طِبْتَ وَطَابَ مَمْشَاكَ وَتَبَوَّأْتَ مِنَ الْجَنَّةِ مَنْزِلاً[10]أذهب لأقف على نفسى أعرف ما لها وما عليها ومحاسبة النفس أساس وضعه النبى الكريم لأصحابه وأحبابه المباركين إلى يوم الدين أن المرء يكون له وقت يحاسب فيه نفسه فى كل يوم وليلة على ما قدَّم وعلى ما فعل فإن وجد خيراً حمد الله تعالى على ذلك وإن وجد غير ذلك تاب واستغفر الله تعالى من ذلك فيدخل فى قول الله{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ}أذهب لأُطهر قلبى وأدخل فى قول رب العالمين فى جماعة الحاضرين{وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ}نوايا لو أخذنا فى استجماعها ما استطعنا تعدادها ولا سردها لأن النوايا التى تجيش فى قلوب الصالحين لا يستطيع أحد أبداً عدَّها لكن الرجل الصالح يعيش فيها ويحيا بها ولذلك قال رجل من تلاميذ أحد الصالحين[يا سيدى إن القوم يسئلون عن الطريق وعلومه وأذواقه ومشاربه وفتوحاته فبِمَ أقول لهم فقال :قل لهم من لم يذق طعم العسل هل يستطيع وصفه؟ فسيقولون: لا، فقل لهم: كيف يستطيع وصفه؟ فسيقولون: إذا ذاقه قال فقل لهم إن الطريق وفتحه لا يستطيع الحديث عنه ولا وصفه إلا من ذاقه فهو كالعسل]ليس علماً نظرياً وليس سرد برهان يحتاج إلى أدلة وبراهين ولكنه علم ذوقى يقول فيه الله{إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً}فأثبت الله أن أدوات تحصيل العلم ثلاث:السمع من الغيروالبصر فى الكتب أو فى الآفاق ثم الفؤاد وهو يتلقى من المَلك الخلاق فأثبت للفؤاد أنه وسيلة من الوسائل التى يُحصل بها العلم ويُحصل بها الفهم ويُحصل بها الذوق ويُحصل بها الشهود ولكن ذلك لأهله الذين خاضوا غماره ومشوا على منوال الحبيب فى عطاءه فأعطاهم الله الجنى الدانى الوارف لأهله لأنه طعام لا يناله بالذوق إلا من صفا ذاته ومشى على منهج أهله فى عطاءه ونواله
الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ فوزي محمد أبوزيد