مدونة مراقى الصالحين: القول الفصل فى السنة الحسنة وبدعة الضلالة

السبت، 6 أبريل 2013

القول الفصل فى السنة الحسنة وبدعة الضلالة


السنة الحسنة وبدعة الضلالة 
أخى الكريم: أن هناك أمور كثيرة جدا لا تدخل تحت الحصر استحدثت فى محيط الأمة الاسلاميةمن الأحاديث التي تدل على أن البدعة تنقسم إلى قسمين ما رواه مسلم في صحيحه من حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله :" من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهمشيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء".
 فيُفهم من ذلك يا أحبابنا أن سيدنا رسول الله قسم البدعة إلى قسمين: إلى بدعة حسنة، وهي المحدثة الموافقة للقرآن والسنة وإلى بدعة ضلالة، وهي المحدثة المخالفة للقرآن والسنة.


    السنة
للسنة عدة تعريفات اتجه اليها العلماء وكل عرفها بحسب اختصاصه وعلمه من أصوليين وفقهاء ومحدثين وأقرب هذه التعاريف إلى الموضوع الذي أبحثه هنا هو ما قاله الأصفهاني من (مفردات القرآن) : سنة رسول الله وهي طريقته التي كان يتحراها أي طريقته في الفعل والأمر والقبول والرد.

وهي فعل رسول الله وقوله وإقراراته, وقد أنتقل إلى الرفيق الأعلى وترك ستين ألف عين تطرف من المسلمين, لكل منهم أعمال, وآراء وأقوال رآها صلى الله عليه وسلم, وسمعها منهم وأقرهم عليا أو نهاهم عنها. فكل أعمال الصحابة - رضي الله عنهم - وأقوالهم وآراؤهم التي أقرها رسول الله سنة. وقد توسع بعض أهل الكشف بجعل من السنة أعمال التابعين أمام الصحابة رضي الله عنهم التي أقروهم عليها, وعلى هذا فوسعه السنة فوق أن يجمعها رجل واحد مهما بلغ من الكمال. فالسنة محلها في المجتمع الإسلامي جميعه



البدعة

لغة: قال الراغب الأصفهاني في (مفردات القرآن) الإبداع إنشاء صنعة بلا احتذاء ولا اقتداء وإذا استعمل في الله تعالى فهو إيجاد الشيء بغير آلة ولا مادة ولا زمان ولا مكان وليس ذلك إلا الله والبديع يقال للمبدع نحو قوله ﴿ بديع السماوات والأرض﴾([2]) ويقال للمبدع – بفتح الدال – نحو بديع وكذلك البدع يقال لها جميعا بمعنى الفاعل والمفعول وقوله تعالى ﴿ ما كنت بدعا من الرسل﴾([3]) قيل معناه: مبدعا لم يتقدمني رسول وقيل : مبدعا فيما أقوله.

وقال الفيومي في (المصباح) أبدع الله تعالى الخلق إبداعا خلقهم لا على مثال وأبدعت الشيء وابتدعته: استخرجته وأحدثته .

وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري عند شرح حديث : «وشر الأمور محدثاتها..»([4]).

·       البدعة لغة: كل شيء أحدث على غير مثال.

وقال أيضا عن شرح حديث «نعمت البدعة هذه »([5]): البدعة أصلها ما أحدث على غير مثال سابق.

·  شرعا: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في (تهذيب الأسماء واللغات) : هي إحداث ما لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

وقال الفيومي : هي الزيادة أو النقص في الدين لكن قد يكون بعضها غير مكروه فيسمى بدعة مباحة وهي ما شهد لجنسها أصل في الشرع أو اقتضتها مصلحة تندفع بها مفسدة.

هذا وقد قسم العلماء البدعة إلى قسمين اثنين:

: هي ما استحدث بعد رسول الله وهي نوعان: بدعة حسنة وبدعة سيئة. أما البدعة الحسنة: فهي كل عمل يوافق أو ينطوي تحت ما أمر الله تعالي به, أو سنة رسول الله وكل عمل من أعمال الخير أو الصلاح مما استحدثه الصحابة بعد رسول الله فهو بدعة حسنة تؤيدها السنة, مثال ذلك ما سنة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في صلاة القيام جماعة بالمسجد في شهر رمضان, فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يسنها, ولم يأمر أحدا من الصحابة بها, وإنما كان صلوات الله وسلامه عليه يصليها في ليال متفرقة ولم يدع إليها, فهذا العمل من عمر بن الخطاب بعد رسول الله بدعة حسنة وهو يدخل تحت قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم (من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة الحديث ..) . وأما البدعة السيئة: فهي كل عمل مستحدث مخالف ما كان عليه رسول الله أو ما ورد عنه نص صريح, وهو ما عناه صلوات الله عليه بقوله (وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلاله وكل ضلاله في النار) وقوله عليه الصلاة والسلام: (... ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة). ويقابل هذا قوله عليه الصلاة والسلام (من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة) ..كما سن الإمام عبد الله بن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - الذكر في جماعة قعودا وقياما, بدليل أنه صلى العيد في صحراء خارج المدينة ثم جلس مع الصحابة رضوان الله عليهم يذكرون الله تعالي, فال عروة بن الزبير - رضي الله عنهما (الذين يذكرون الله قياما وقعودا) وأنت تذكره قاعدا, فأسرع بالقيام وذكر مع الجماعة قائما. فأخذ أئمة الطريق بسنته رضي الله عنه.

وبعد أن أنزل الله سبحانه وتعالى قوله (اليوم أكملت لكم يدنكم ... الآية) توسع الصحابة والتابعون في عمل القربات, وكان بعض أئمة الصحابة رضي الله عنهم يذهبون إلى القبور ويجلسون هناك لتحضر قلوبهم فارغة من الشواغل, ومن محادثه نسائهم وأولادهم. وكما زاد عثمان بن عفان رضي الله عنه - فى المسجد وفرشه وأتم جمع القرآن. وكما ترك الصحابة رضي الله عنهم خضاب لحاهم بعد أن أمروا به لعلمهم الحكمة, وذلك لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أراد أن يتميزوا عن اليهود الذين يتركون الشيب فى لحاهم, فلما نشر الدين أطنابه ودق أوتاده ترك الناس خضاب لحاهم. وكما أمرهم صلى الله عليه وسلم بزيارة القبور بعد أن نهاهم عن زيارتها, ومن تتبع كتب السير والسنن, يرى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن أشياء كثيرة في فجر الإسلام, ثم أباح العمل بها لمن شاء. كل ذلك لحكمة يعلمها الراسخون في العلم, ومن فكر في كيفية تحريم الخمر .. مخففا ثم مشددا .. يعلم حكمة الناسخ المنسوخ. فكل داع يدعو إلى الله تعالي لم يكن محيطا بمراد الشارع في أمره ونهيه .. وإباحته وحظره. .يجب أن يحصل العلم قبل أن يدعو غيره, حتى يكون على بينة من أمره.

ا c ..... f.87_. عنه بقوله (ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين). وقال سبحانه (ولو شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا إلا رحمة من ربك إن فضله كان عليك كبيرا).ونحن مأمورون أن نتوسل إلى الله بما يقربنا إليه وينيلنا رضوانه الأكبر والحب لذاته, وأكمل وسيلة نتوسل بها إلى الله هي أعمال وأقوال وأحوال من بأتباعه يحبنا
بدعة الضلال



فهى كما قال رسول الله   الله صلى علية وسلم    من أحدث فى أمرنا ما ليس له فيه فهو رد "عن عائششة رضى الله عنها   .

اذن بدعة الضلال هى الأمر المنكر شرعا و عرفا ولم يكن له أصل فى كتاب أو سنة رسوله الله      الله صلى علية وسلم   .  و هى التى يضل صاحبها عن طريق الله و رسوله و يهوى بها فى مزالق الشر و الفساد و هى مردودة على صاحبها و لا تقبل منه وذلك مثل ابتداعات الفرق و الضلال التى غيرت معالم العبادات و المعاملات التى شرعها الله و رسوله.  أو تحرم ما أحلة الله و رسوله.  أو الفرق التى تطعن فى أئمة المسلمين.  أو الفرق التى تحدث القاق و التفرقة بين المسلمبن و تبلبل أفكارهم و تضرب بعضهم ببعض.  أو الفرق التى تتعصب لبعض المذاهب و الارآء و تسجع الجدل و المراء و الخصومة.  أو الفرق التى تتبع الآيات المتشابه فى كتاب الله أو فى السنة و تحاول تطويع هذا التشابه لأغراضهم و أهوائهم المنحرفه و يشيعون بذلك الفتن بين المسلمين.  كل هذه الفرق ابتدعت فى الاسلام و فى الأمة بدعة الضلال التى يضون بها أنفسهم و غيرهم   .


فقد قال الإمام الشافعي رضي الله عنه : البدعة بدعتان: بدعة محمودة وبدعة مذمومة فما وافق السنة فهو محمود وما خالف السنة فهو مذموم.

وأخرج البيهقي عن الإمام الشافعي في مناقبه: المحدثات ضربان: ما أُحدث يخالف كتابا أو سنة أو إجماعا فهو بدعة الضلالة وما أحدث في الخير لا يخالف شيئا من ذلك فهو محدثة غير مذمومة.

حتى إنه نفى اسم البدعة عما له أصل في الشرع فقال رضي الله عنه : كل ما له مستند من الشرع فليس ببدعة ولو لم يعمل به السلف لأن تركهم للعمل به قد يكون لعذر قام لهم في الوقت أو لما هو أفضل منه أو لعله لم يبلغ جميعهم علم به.

وقال الإمام النووي في ( تهذيب الأسماء واللغات) عند كلامه عن البدعة: هي منقسمة إلى حسنة وقبيحة.

وقال الحافظ ابن الأثير في (النهاية) البدعة بدعتان بدعة هدى وبدعة ضلال فما كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم فهو من حيز الذم والإنكار وما كان واقعا تحت عموم مما ندب الله إليه وحض عليه الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم فهو في حيز المدح وما لم يكن له مثال موجود كنوع من الجود والسخاء وفعل المعروف فهو في الأفعال المحمودة ولا يجوز أن يكون ذلك في خلاف ما ورد الشرع به.

وقال الحافظ ابن العربي في شرحه على سنن الإمام الترمذي عند الكلام على حديث «إياكم ومحدثات الأمور»([6])، وقال عمر نعمت البدعة وإنما يذم من البدع ما خالف السنة ويذم من المحدثات ما دعا إلى ضلالة.

حتى إن بعض العلماء أوصلها إلى خمسة أقسام:

واجبة: تعلم النحو ، ونظم ادلة المتكلمين للرد على الملاحدة والمبتدعين.

مندوبة: الأذان على المنابر، وتصنيف كتب العلم وبناء المدارس وغير ذلك.

مباحة: استعمال المنخل والتوسع في المأكل والمشرب.

مكروهة: تزيين المصاحف وزخرفة المساجد.

محرمة: وهي ما أحدث لمخالفة السنة ولم تشمله أدلة الشرع العامة، ولم يحتوِ على مصلحة شرعية.

هذا وقد أثبت القرآن الكريم جواز ابتداع ما فيه خير وزيادة قربى إلى الله فقد قال أبو أمامة رضي الله عنه : ( إن الله فرض عليكم صوم رمضان ولم يفرض قيامه وإنما قيامه شيء أحدثتموه فدوموا عليه فإن أناسا من بني إسرائيل ابتدعوا بدعا فعابهم الله بتركها فقال: ﴿ ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها﴾([7]))([8]).

وأما حديث : « كل بدعة ضلالة»([9]) فهو من قبيل العام المخصوص.

فقد قال الإمام النووي رضي الله عنه : هذا عام مخصوص والمراد به المحدثات التي ليس في الشريعة ما يشهد لها بالصحة فهي المراد بالبدع.

وقال الحافظ ابن رجب في شرحه للحديث: المراد بالبدعة ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعا وإن كان بدعة لغة.

وقال الحافظ ابن حجر: المراد بقوله (كل بدعة ضلالة) ما أحدث ولا دليل له من الشرع بطريق خاص ولا عام.

فليس هذا الحديث إذا كلية تقتضي شمول الضلالة لكل محدث بل هو من قبيل العام المخصوص أو العام الذي أريد به الخصوص.

وأمثلة ذلك كثيرة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم

من ذلك قول الله عز وجل : ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم﴾([10]) واسم الموصول من حيث العموم ولكن مما لا شك فيه أن عيسى عليه السلام وأمه والملائكة عُبِدوا من دون الله لكنهم غير مقصودين في الآية فتبين أنه من العام الذي أريد به الخصوص.

ومنه قوله تعالى ﴿ الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم ﴾([11])، ومعلوم أن هناك أدلة كثيرة تثبت أن المسلم ينتفع بعمل غيره من إخوانه المسلمين ودعاء الملائكة كما قرر ذلك الشيخ ابن تيمية وذكر أكثر من عشرين موضعا بدلائلها أولها صلاة الجنازة والصدقة عن الميت ثم دعاء المؤمنين([12]).

ومنه قوله تعالى ﴿ الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم﴾([13]).

فالمراد بالناس في الأول المخبرين وهم لاشك عدد محدود وفي الثاني أبو سفيان وجماعته من مشركي مكة الذين قاتلوا المسلمين في  أحد.

ومنه قوله تعالى ﴿ فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء ﴾([14]) وأبواب الرحمة لم تفتح عليهم.

ومنه قوله تعالى ﴿وشاورهم في الأمر﴾([15]).

فمن المعلوم أنه لا يشاورهم في التشريع والأحكام قال سيدنا ابن عباس رضي الله عنه : (وشاورهم في الأمر ) أي في بعض الأمر.

ومنه قوله تعالى ﴿ لتجزى كل نفس بما تسعى﴾([16]).

ومن ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم « لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها»([17]) وهو من حيث العموم وقطعا ليس على عمومه فمن صلى في هذين الوقتين وترك بقية الصلوات لا يدخل في عموم هذا الحديث فهو من العام الذي أريد به الخصوص أو من العام المخصوص بالنصوص.

ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم : « الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام»([18]) وأجمع الشراح على أنه ليس على عمومه مع أن فيه الكلية (كل).

ويخصص حديث : (كل بدعة ضلالة) الحديث الذي روته سيدتنا عئشة رضي الله عنها عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : « من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»([19]).

قال ابن رجب: هذا الحديث يدل منطوقه على أن كل عمل ليس عليه أمر الشارع فهو مردود ويدل بمفهومه على أن كل عمل عليه أمره فهو غير مردود.

وقال الحافظ ابن حجر: هذا الحديث معدود من أصول الإسلام وقاعدة من قواعده فإن معناه: من اخترع في الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله فلا يلتفت إليه.

مما تقدم تبين لنا أنه ليس معنى ترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم للشيء هو أن ذلك الشيء لا يجوز فعله فإن القاعدة الأصولية مشهورة بين أهل العلم : (ترك الشيء لا يدل على حرمته) ونقصد بالترك أن يترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم شيئا لم يفعله أو تركه السلف الصالح من غير أن يأتي حديث أو أثر بالنهي عن ذلك الشيء المتروك بمقتضى تحريمه أو كراهته.

 وقال سلطان العلماء العز بن عبد السلام رضي الله عنه: في آخر كتابه (القواعد (ما نصه: ((البدعة منقسمة إلى واجبة, ومحرمة, ومندوبة, ومكروهة ومباحة)), قال: ((و الطريق في ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة فإن دخلت في قواعد الإيجاب فواجبة, وأن دخلت في قواعد التحريم فمحرمة, أو الندب فمندوبة أو المكروه فمكروهة, أو المباح فمباحة)) أه فهؤلاء ممن ذكرنا قد قسموا البدعة إلى أقسامها المذكورة
قال ابن تيمية في كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة  :

[  وكل بدعة ليست واجبة ولامستحبة فهي بدعة سيئة وهي ضلالة باتفاق المسلمين ومن قال في بعض البدع إنها بدعة حسنة فإنما ذلك إذا قام دليل شرعي أنها مستحبة فأما ماليس بمستحب ولا واجب فلا يقول أحد منا لمسلمين إنهامن الحسنات التي يتقرب بها إلى الله

ثم إن للترك أنواع ومنها:

أن يكون تركه عادة كترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم أكل الضب في حديث سيدنا خالد أنه دخل مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيت ميمونة فأتي بضب محنوذ فأهوى إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيده فقيل: هو ضب يا رسول الله فرفع يده فقلت: أحرام هو يا رسول الله؟ فقال: « لا ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه» قال خالد: فاجتررته فأكلته والنبي صلى الله عليه وآله وسلم ينظر([20]).

والحديث يدل على أمرين:

1-    أن تركه للشيء ولو بعد الإقبال عليه لا يدل على تحريمه.

2-    أن استقذاره الشيء لا يدل على تحريمه أيضا.

·  أن يكون تركه نسيانا سها صلى الله عليه وآله وسلم في الصلاة فترك منها شيئا فسئل: هل حدث في الصلاة شيء؟. قال «إنما أنا بشر أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني»([21]).

·       أن يكون تركه مخافة أن يفرض كصلاة التراويح.

·       أن يكون تركه لعدم تفكيره فيه ولم يخطر على باله – مثل إحداث المنبر له صلى الله عليه وآله وسلم .

·  أن يكون تركه لدخوله في عموم آيات أو أحاديث كتركه كثيرا من المندوبات لأنها مشمولة في قوله تعالى : ﴿ وافعلوا الخير لعلكم تفلحون﴾([22]) وغيرها.

·  أن يكون تركه خشية تغير قلوب بعض الصحابة قال صلى الله عليه وآله وسلم لعائشة رضي الله عنها : (لولا أن قومك حديثوا عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم فأدخلت فيه ما أخرج منه وألزمته بالأرض وجعلت له بابين باب شرقيا وبابا غربيا فبلغت به أسس إبراهيم عليه السلام)([23]).

والترك وحده إن لم يصحبه نص على أن المتروك محظور لا يكون حجة في ذلك بل غايته أن يفيد أن ترك ذلك الفعل مشروع.

وهذه قاعدة في الأصول وأدلتها هي:

·       أحدها: أن الذي يدل على التحريم ثلاثة أشياء:

النهي نحو ﴿ ولا تقربوا الزنا﴾([24])  ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾([25]).

لفظ التحريم نحو (من غشنا فليس منا)([26]).

والترك ليس واحدا من هذه الثلاثة فلا يقتضي التحريم.

·       ثانيها : إن الله تعالى قال ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾([27]).

ولم يقل ما تركه فانتهوا عنه فالترك لا يفيد التحريم.

·  ثالثها: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : «ما أمرتكم به فائتوا منه ما استطعتم وما نهيتكم عنه فاجتنبوه»([28]).

ولم يقل ما تركته فاجتنبوه فكيف دل الترك على التحريم؟

·  رابعها: أن الأصوليين عرفوا السنة بأنها قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفعله وتقريره ولم يقولوا وتركه لأنه ليس بدليل.

·  خامسها: تقدم أن الترك يحتمل أنواعا غير التحريم والقاعدة الأصولية (أن ما  دخله الإحتمال سقط به الاستدلال).

·  سادسها: أن الترك أصل، لأنه عدم فعل والعدم هو الأصل والفعل طارئ والأصل لا يدل على شيء لغة ولا شرعا فلا يقتضي الترك تحريما([29]) ، فيعلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يفعل جميع المندوبات المباحات لأنها كثيرة لا يستطيع بشر أن يستوعبها ولاشتغاله بمهام اعظم استغرقت معظم وقته من تبليغ للدعوة ومحاربة للمشركين ونقاش مع الكتابيين والكفار وغيرها مما هو مهم لتأسيس الدولة الإسلامية.

·  بل إنه ترك بعض المندوبات عمدا مخافة أن تفرض على أمته أو يشق عليهم إذا هو فعلها ، فها هي سيدتنا عائشة تخبرنا بذلك فتقول: (إن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يترك العمل وفعله أحب إليه خشية أن يستن به الناس فيفرض عليهم وكان يحب ما خفف عليهم)([30]).

وقالت رضي الله عنها : ( خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من عندي مسرورا ثم رجع وهو كئيب فقال: «إني دخلت البيت وددت أني لم أكن فعلت إني أخاف أن أكون أتعبت أمتي بعدي» وفي رواية «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما دخلتها، إني أخاف أن أكون أتعبت أمتي من بعدي» وفي رواية: « لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما دخلتها إني أخاف أن أكون شققت على أمتي»)([31]).

وقالت أيضا في قصة صلاته بعد العصر (وكان لا يصليها في المسجد مخافة أن تثقل على أمته وكان يحب ما خف عليهم).

وفي باب (يسروا ولا تعسروا) في البخاري قال: (وكان يحب أن يخفف على الناس وييسر عليهم).

وهذا المعنى موجود في كثير من المواضع في السواك وفي تأخير صلاة العشاء إلى ثلث الليل: (لولا أن أشق على أمتي …).

ثم إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال موضحا لنا هذا الإشكال: (ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرم الله فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو فاقبلوا من الله عافيته فإن الله لم يكن لينس شيئا ثم تلا ﴿ وما كان ربك نسيا﴾([32]))([33]).

وقال صلى الله عليه وآله وسلم « إذا امرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن أمر فاجتنبوه»([34]) ولم يقل: إذا تركت شيئا فاجتنبوه.

وكذلك ترك السلف لشيء – أي عدم فعلهم له – لا يدل على أنه محظور قال الإمام الشافعي : (كل ما له مستند من الشرع فليس  ببدعة ولو لم يعمل به السلف)، لأن تركهم العمل به قد يكون لعذر قام لهم في الوقت أو لما هو أفضل منه أو لعله لم يبلغ جميعهم علم به.

فإذا ليس كل ما لم يفعله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم خارجا عن السنة بل إن الحوافز القولية الكثيرة لعمل الخير والترغيبات الكثيرة القولية بالفضائل العامة والخاصة هي أيضا من السنة كما أن التقريرات الصادرة عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فيما يحدث من الخير مما لا يخالف المشروع هي أيضا من السنة بل هي طريقة الرسول وسنته التي حث على اتباعها والتمسك بها.

من هذا المنطلق فعل كثير من الصحابة باجتهاداتهم أمورا فكانت سنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وطريقته قبول ما كان من العبادة والخير ويتفق مع المشروع ولا يخالفه ورد ما كان مخالفا لذلك فهذه سنته وطريقته التي سار عليها خلفاؤه وصحابته واقتبس منها العلماء رضوان الله عليهم قولهم: إن ما يحدث يجب أن يعرض على قواعد الشريعة ونصوصها فما شهدت له الشريعة بالحسن فهو حسن مقبول وما شهدت له الشريعة بالمخالفة والقبح فهو المردود وهو البدعة المذمومة وقد يسمون الأول بدعة حسنة من حيث اللغة باعتباره محدثا وإلا فهو في الواقع ليس ببدعة شرعية بل هو سنة مستنبطة ما دامت شواهد الشريعة تشهد له بالقبول.

سماها بذلك سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم نفسه حين قال: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء)([35]).

قال الإمام النووي رحمه الله تعالى : فيه الحث على الابتداء بالخيرات وسن السنن الحسنات والتحذير من الأباطيل والمستقبحات.

وفي هذا الحديث تخصيص قوله صلى الله عليه وآله وسلم « كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» وأن المراد به المحدثات الباطلة والبدع المذمومة.

وسن سنة أو استنانها يعني إننشاؤها باجتهاد واستنباط من قواعد الشرع أو عمومات نصوصه أي من أنشأ سنة حسنة مستندا في ابتداع ذاتها إلى دلائل الشرع كان له اجرها ومن أنشأ سنة سيئة مستندا في ابتداع ذاتها إلى ما تنكره الشريعة كان عليه إثمها وإثم من عمل بها([36]).

ولنورد الآن بعض الصور من عمل الصحابة في عهد النبوة وإتيانهم بما لم يروا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يفعله او يقوله أو إقراره صلى الله عليه وآله وسلم على افعالهم:

1-  عن عبدالرحمن بن أبي ليلى قال: (كان الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا جاء الرجل وقد فاته شيء من الصلاة أشار إليه الناس فصلى ما فاته ثم دخل في الصلاة ثم جاء يوما معاذ بن جبل فأشاروا إليه فدخل ولم ينتظرما قالوا فلما صلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذكروا له ذلك فقال لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم « سن لكم معاذ»([37]).

وفي رواية سيدنا معاذ بن جبل: (إنه قد سن لكم معاذ فهكذا فاصنعوا)([38]).

2-  وعن العاص بن وائل قال: قدم بكر بن وائل مكة فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأبي بكر : « ائتهم فاعرض عليهم» وفيه : فأتاهم فعرض عليهم الإسلام فقالوا: حتى يجيء بنو ذهل بن شيبان فعرض عليهم أبو بكر قالوا: إن بيننا وبين الفرس حربا فإذا فرغنا فيما بيننا وبينهم عدنا فنظرنا فقال أبو بكر : أرأيت إن غلبتموهم أتتبعنا على أمرنا ؟ قالوا : لا نشترط لك ذلك علينا ولكن إذا فرغنا بيننا وبينهم عدنا فنظرنا فيما تقول، فلما التقوا يوم ذي قار مع الفرس قال شيخهم : ما اسم الذي دعاكم إلى الله؟ قالوا : محمد قال هو شعاركم فنصروا على القوم فقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم «بي نصروا»([39]).

فهذا منهم توسل باسمه صلى الله عليه وآله وسلم وقد أقرهم على ذلك بل قد قال مؤكدا قوله : « بي نصروا» وأقر سيدنا أبا بكر عندما قال لهم : (أرأيت ان غلبتموهم أتتبعنا على أمرنا..) وذلك من كمال اعتقاده بأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو هو نفسه إن دعا لهم بالنصر فإن الله لن يخزيه لأنه يطلب ذلك لنشر دين الله وإعلاء كلمته.

3-  وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لبلال عند صلاة الفجر: « يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام فإني سمعت دُف نعليك في الجنة» قال: ما عملت عملا أرجى عندي من أني لم أتطهر طهورا في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي([40]).

وفي رواية : قال لبلال: «بم سبقتني إلى الجنة؟ قال: ما أذنت قط إلا صليت ركعتين وما أصابني حدث قط إلا توضأت ورأيت أن لله علي ركعتين فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم «بهما» أي نلت تلك المنزلة»([41]).

وقال الحافظ ابن حجر في ( الفتح) : يستفاد منه جواز الاجتهاد في توقيت العبادة لأن بلالا توصل إلى ما ذكره بالاستنباط فصوبه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم .

4-  وعن أبي سعيد الخدري قال: خرج معاوية على حلقة في المسجد قال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله قال آ لله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك قال أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم ولكنه أتاني جبريل فاخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة([42]).

5-  وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإذا الناس يصلون في ناحية المسجد فقال صلى الله عليه وآله وسلم : «ما هؤلاء؟» فقيل : أناس ليس معهم قرآن وأبي ابن كعب يصلي بهم وهم يصلون بصلاته فقال: (أصابوا) أو قال: (نعم ما صنعوا)([43]).

6-  وعن سيدنا خالد بن الوليد رضي الله عنه قال: (اعتمرنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في عمرة اعتمرها فحلق شعره فاستبق الناس إلى شعره فاستبقت إلى الناصية فأخذتها فاتخذت منها قلنسوتي فجعلتها في مقدم القلنوسة فما وجهتها في وجه إلا فتح علي)([44]).

7-  وعن سيدنا أنس رضي الله عنه قال: لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والحلاق يحلقه وأطاف به أصحابه فما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد رجل منهم([45]).

8-  عن سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدخل بيت أم سليم فينام على فراشها فأتيت فقيل لها: هذا النبي صلى الله عليه وآله وسلم نائم في بيتك على فراشك قال: فجاءت وقد عرق واستنقع عرقه على قطعة أديم على الفراش ففتحت عتيدتها فجعلت تنشف ذلك العرق فتعصره في قواريرها ففزع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ( ما تصنعين يا أم سليم؟) فقالت يا رسول الله نرجو بركته لصبياننا قال «أصبت»([46]).

9-  وعن يزيد بن الأسود في حديث حجة الوداع قال: فلما صلى الصبح انحرف جالسا فاستقبل الناس بوجهه وذكر قصة الرجلين اللذين لم يصليا قال: ونهض الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونهضت معهم وأنا يومئذ أشب الرجال وأجلدهم قال فما زلت أزاحم الناس حتى وصلت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخذت بيده فوضعها إما على وجهي أو صدري قال: فما وجدت شيئا أطيب ولا أبرد من يد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال: وهو يومئذ بمسجد الخيف وفي رواية ثم ثار الناس يأخذون بيده ويمسحون بها وجوههم([47]).

10-  وعن سيدنا أبي جحيفة رضي الله عنه قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قبة حمراء ورأيت بلالا أخرج وضوءا فرأيت الناس يبتدرون ذلك الوضوء فمن أصاب منه شيء مسح به ومن لم يصب منه أخذ من بلل صاحبه([48]).

وفي رواية : (شهدت النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالبطحاء وأتى بلال بفضل وضوئه فابتدره الناس فنلت منه شيئا)([49]).

11-  وعن سيدنا أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا صلى الغداة جاء خدم المدينة بآنيتهم فيها الماء فما يؤتى بإناء إلا وغمس يده فيها فربما جاؤوا في الغداة الباردة فيغمس يده فيها([50]).

12-  وعن ام ثابت كبشة بنت ثابت أخت حسان بن ثابت رضي الله عنهما قالت : ( دخل علي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فشرب من قربة معلقة قائما فقمت إلى فيها فقطعته)([51]).

13-  عن سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما قال: أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في آخر الليل فصليت خلفه فأخذ بيدي فجرني حتى جعلني حذاءه فلما أقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على صلاته خنست فصلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلما انصرفت قال: (ما شأنك ؟ أجعلك حذائي فتخنس) فقلت: يا رسول الله أو ينبغي لأحد أن يصلي بحذائك وأنت رسول الله الذي أعطاك الله؟ قال: فأعجبه فدعا لي أن يزيدني الله علما وفقها([52]).

14-  وعن سيدنا أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: خرج رجلان في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء فتيمما صعيدا طيبا وصليا ثم وجد الماء في الوقت فأعاد أحدهما ولم يعد الآخر ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكرا له ذلك فقال للذي لم يُعد: «أصبت السنة وأجزأتك صلاتك» وقال للذي أعاد «لك الأجر مرتين»([53]).

15-  وعن سيدنا علي رضي الله عنه قال: كان أبو بكر يخافت بصوته إذا قرأ وكان عمر يجهر بقراءته وكان عمار إذا قرأ يأخذ من هذه السورة وهذه السورة فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال لأبي بكر : « لِمَ تخافت؟» قال: إني أسمع من أناجي وقال لعمر: « لِمَ تجهر بقراءتك؟» قال : أفزع الشيطان وأوقظ الوسنان وقال لعمار: « لِمَ تأخذ من هذه السورة وهذه السورة؟» قال: أتسمعني أخلط به ما ليس منه؟ قال: (لا ) ثم قال: «فكله طيب»([54]).

16-  عن سيدنا عمرو بن العاص رضي الله عنه : أنه لما بعث في غزوة ذات السلاسل قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرودة فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح فلما قدمنا على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ذكروا له ذلك فقال: ( يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟!) فقلت : ذكرت قول الله تعالى ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما﴾([55]) فتيممت وصليت فضحك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يقل شيئا([56]).

17-     وحديث سيدنا خباب رضي الله عنه أنه أول من سن الصلاة لكل مقتول صبرا ركعتين ([57]).

18-  وعن سيدتنا عائشة رضي الله عنها قالت: لما قدم وفد الحبشة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يلعبون في المسجد قال الزهري: وأخبرني سعيد بن المسيب أن أبا هريرة قال: دخل عمر .. والحبشة يلعبون في المسجد فزجرهم فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « دعهم يا عمر فإنما هم بنو أرفدة»([58]).

وفي رواية : «لتعلم يهود أن في ديننا فسحة»([59]).

19-  وعن سعيد بن المسب أن سينما بلالا اتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يؤذن بصلاة الفجر ، فقيل : هو نائم فقال: «الصلاة خير من النوم»([60]) فأقرت في صلاة الفجر.

وفي رواية ( ما أحسن هذا فاجعله في أذانك)([61]).

وفي رواية : ( أن المؤذن جاء إلى عمر يؤذنه لصلاة الصبح فوجده نائما فقال: الصلاة خير من النوم فأقره عمر أن يجعلها في أذان الفجر)([62]).

20-  عن سيدنا عمر رضي الله عنه قال: جاء رجل والناس في الصلاة فقال حين وصل إلى الصف: الله اكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا فلما قضى النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلاته قال: ( من صاحب الكلمات؟) قال الرجل : أنا يا رسول الله ، والله ما أردت بها إلا الخير قال: (لقد رأيت أبواب السماء فتحت لهن) قال ابن عمر : فما تركتهن منذ سمعتهن([63]).

21-  وعن سيدنا جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال: ( أهلَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكر التلبية مثل حديث ابن عمر قال : والناس يزيدون ذا المعارج ونحوه من الكلام والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يسمع فلا يقول لهم شيئا)([64]).

وفي رواية مسلم : واهل الناس بهذا الذي يهلون فلم يرد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئا ولزم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تلبيته([65]).

22-  وعن سيدنا رفاعة بن رافع رضي الله عنه قال: كنا نصلي وراء النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلما رفع راسه من الركعة قال ( سمع الله لمن حمده) قال رجل وراءه ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه فلما انصرف قال (من المتكلم؟) قال: أنا قال: «رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها»([66]).

قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: ( يستدل به على جواز إحداث ذكر في الصلاة غير مأثور إذا كان غير مخالف للمأثور وعلى جواز رفع الصوت بالذكر ما لم يشوش).

23-  وعن سيدنا عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن رجلا قال ذات يوم ودخل في الصلاة: الحمد لله ملء السماء وسبح ودعا فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « من قائلهن؟ فقال: أنا فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم « لقد رأيت الملائكة تلقي به بعضها بعضا»([67]) .

24-  وعن سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنت جالسا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحلقة إذ جاء رجل فسلم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلى القوم فقال السلام عليكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم « وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته» فلما جلس قال الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم « والذي نفسي بيده لقد ابتدرها عشرة أملاك كلهم حريصون على أن يكتبوها فما دروا كيف يكتبونها فرجعوا إلى ذي العزة جل ذكره فقال « اكتبوها كما قال عبدي»([68]).

25-  وعن سيدنا رفاعة بن رافع رضي الله عنه قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فعطست فقلت الحمد لله حمدا طيبا مباركا فيه مباركا عليه كما يحب ربنا ويرضى فلما انصرف قال: (من المتكلم؟ ثلاثا)  فقلت أنا فقال: والذي نفسي بيده لقد ابتدرها بضعة وثلاثون ملكا أيهم يصعد بها([69]).

26-  وعن سيدنا علاقة بن صحار السليطي التميمي رضي الله عنه أنه أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم اقبل راجعا من عنده فمر على قوم عندهم رجل موثق بالحديد فقال أهله: إنه قد حدثنا أن صاحبكم قد جاء بخير فهل عندك شيء ترقيه؟ فرقيته بفاتحة الكتاب فبرأ فاعطوني مائة شاة فأتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (خذها فلعمري لمن اكل برقية باطل قد اكلت برقية حق)([70]).

27-  وعن سيدنا أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رهطا من اصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم انطلقوا في سفرة سافروها حتى نزلوا على حي من أحياء العرب فاستضافوا فأبوا أن يضيفوهم فلدغ سيد ذلك الحي فسعوا له بكل شيء لا ينفعه شيء فقال بعضهم : لو أتيتم هؤلاء الرهط الذي نزل بكم لعله أن يكون عند بعضهم شيء فأتوهم فقالوا: يا أيها الرهط إن سيدنا لدغ فسعينا له بكل شيء لا ينفعه شيء فهل عند أحدكم شيء ؟ فقال بعضهم : نعمم والله إني لراق ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا فما انا براق لكم حتى تجعلوا لنا جعلا فصالحوهم على قطيع من الغنم فانطلق يتفل ويقرأ ﴿ الحمد لله رب العالمين﴾ حتى كأنما نشط من عقال فانطلق يمشي ما به قلبة قال: فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه فقال بعضهم اقسموا وقال الذي رقى : لا تفعلوا حتى نأتي رسول اله صلى الله عليه وآله وسلم فنذكر له الذي كان فننظر ما يأمرنا به فقدموا على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فذكروا له فقال: (وما يدريك أنها رقية ثم قال: قد أصبتم اقسموا واضربوا لي معكم بسهم)([71]).

28-  وعن سيدنا ابن مسعود رضي الله عنه أنه قرا على مبتل في أذنه فأفاق فقال له الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ( ما قرأت؟) قال ﴿ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا﴾([72]) إلى آخر السورة فقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم « لو أن رجلا مؤمنا قرأ بها على جبل لزال»([73]).

29-  عن سيدنا أنس رضي الله عنه قال: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مر على أعرابي وهو يدعو في صلاته: يا من لا تراه العيون ولا تخالطه الظنون ولا يصفه الواصفون ولا تغيره الحوادث ولا يخش الدوائر ويعلم مثاقيل الجبال ومكاييل البحار وعدد قطر الأمطار وعدد ورق الأشجار وعدد ما أظلم عليه الليل وأشرق عليه النهار ولا تواري منه سماء سماء ولا أرض أرضا ولا بحر إلا يعلم ما في قعره ولا جبل إلا يعلم ما في ورعه اجعل خير عمري آخره وخير عملي خواتمه وخير أيامي يوم ألقاك فيه فوكل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالأعرابي رجلا فقال : ( إذا صلى فأتني به) وكان قد اهدي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذهب من بعض المعادن فلما أتاه الأعرابي وهب له الذهب وقال: (ممن انت يا أعرابي) فقال من بني عامر بن صعصعة يا رسول الله قال يا أعرابي هل تدري لما وهبت لك الذهب قال : للرحم الذي بيني وبينك قال صلى الله عليه وآله وسلم « إن للرحم حقا ولكن وهبت لك الذهب لحسن ثنائك على الله»([74]).

30-  عن سيدنا أنس رضي الله عنه قال: كنت جالسا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحلقة ورجل قائم يصلي فلما ركع وسجد تشهد ودعا فقال في دعائه اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم « لقد دعا باسم الله الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب وإذا سئل أعطى»([75]).

31-  وعن السيدة عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث رجلا على سرية وكان يقرأ لأصحابه في صلاته فيختم بـ ﴿ قل هو الله أحد﴾ فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال «سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟» فسألوه فقال: لأنها صفة الرحمن وأنا احب أن أقرأ بها فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم «أخبروه أن الله يحبه»([76]).

نبذة مما أحدثه الصحابة رضي الله عنهم بعد عهد النبوة

أخرج البزار بسنده : خرجنا مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في يوم عيد فسأله قوم من أصحابه عن الصلاة قبل العيد وبعدها فلم يرد عليهم شيئا ثم جاءه قوم فسألوه فلم يرد عليهم شيئا فلما انتهينا إلى الصلاة فصلى بالناس فكبر سبعا ثم خطب الناس ثم نزل فركب فقالوا: يا أمير المؤمنين هؤلاء قوم يصلون! قال: فما عسيت أن أصنع؟ سألتموني عن السنة إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يصل قبلها ولا بعدها فمن شاء فعل ومن شاء ترك أتروني امنع قوما يصلون فاكون بمنزلة من منع عبدا إذا صلى .

عن عبدالرحمن بن عبدالقاري أنه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة في رمضان إلى المسدد فإذا الناس اوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط فقال عمر رضي الله عنه : إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم قال عمر: نعمت البدعة هذه والتي ناموا عنها أفضل من التي يقومون يريد آخر الليل وكان الناس يقومون أوله([77]).

قال ابن الأثير في النهاية عند ذكر البدعة الحسنة: ( ومن هذا النوع قول عمر رضي الله عنه : نعمت البدعة هذه لما كانت من أفعال الخير وداخلة في حيز المدح سماها بدعة ومدحها لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يسنها لهم وإنما صلاها ليالي ثم تركها ولم يحافظ عليها ولا جمع الناس لها ولا كانت في زمن ابي بكر وإنما عُمر جمع الناس عليها وندبهم اليها فبهذا سماها بدعة وهي على الحقيقة سنة لقوله صلى الله عليه وآله وسلم «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين»([78]) ، وقوله : «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر([79]) ، وعلى هذا التأويل يحمل الحديث الآخر «كل بدعة ضلالة»([80]) وإنما يريد ما خالف أصول الشريعة ولم يوافق السنة).

وعند البيهقي عن السائب بن يزيد رضي الله عنه بإسناد صحيح قال: كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب بعشرين ركعة وكانوا يتوكؤن على عصيهم في عهد عثمان من شدة القيام.

وأخرج الطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقول في التشهد بعد: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته: (السلام علينا من ربنا) فيزيد على اللفظ الذي رواه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لفظة: (من ربنا).

وثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يلازم في اسفاره كلها القصر فيصلي الظهر والعصر والعشاء ركعتين ركعتين ولم يثبت قط أنه صلى الرباعية أربعا في السفر ومع ذلك فقد صلى عثمان رضي الله عنه في منى اربعا وأنكر عليه ابن مسعود ثم صلاها معه اربعا فلما قيل له قال : إني أكره الخلاف([81]).

وأخرج ابن أبي شيبة عن سيدنا علي رضي الله عنه أنه قال: ألا يقوم احدكم فيصلي أربع ركعات ويقول فيهن : (تم نورك فهديت فلك الحمد وعظم حلمك فعفوت فلك الحمد وبسطت برك فأعطيت فلك الحمد ربنا وجهك أعظم الوجوه وجاهك أعظم الجاه وعطيتك أفضل عطية وأهنأها تطاع ربنا فتشكر وتعصى فتغفر وتجيب المضطر وتكشف الضر وتشفي السقيم وتغفر الذنب وتقبل التوب ولا يجزي بآلائك أحد ولا يبلغ مدحك قول قائل).

وعن السائب بن يزيد رضي الله عنه قال: كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما فلما كان عثمان رضي الله عنه وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء وهي دار في سوق المدينة وسمي هذا الأذان ثالثا باعتبار إضافته إلى الأذان الأول والإقامة ويقال له ثان بإسقاط اعتبار الإقامة([82]).

وقتال أبي  بكر رضي الله عنه لما نعي الزكاة واستباحة دمائهم حتى يُذعنوا له حتى قال قولته المشهورة : (والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقاتلتهم عليه مع قول عمر ومراجعته له ثم إذعانه لرأيه فقال: فعلمت أنه الحق([83]).

وعن سيدنا ابن عمر رضي الله عنه ان تلبية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك وكان عبدالله بن عمر يزيد في تلبيته: لبيك لبيك وسعديك والخير بيديك لبيك والرغباء إليك والعمل([84]).

وعن ابن عمر رضي الله عنه أيضا: (أن عمر كان يقول هذه الزيادة في تلبيته)([85]) وكان سيدنا عمر رضي الله عنه يزيد أيضا : ( لبيك مرغوب إليك ذا النعماء والفضل الحسن)([86]).

وكان الناس يزيدون في التلبية ( ذا المعارج)([87]).

وذكر الحافظ في المطالب العالية أنه كان سيدنا أنس رضي الله عنه يقول في تلبيته : ( لبيك حقا حقا تعبدا ورقا).

والذي ثبت عن سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيما رواه عنه البخاري ومسلم وغيرهما أنه كان يستلم الركنين اليمانيين من الكعبة المشرفة ولم يستلم غيرهما وصح عن جماعة من الصحابة استلام الأركان الأربعة .

فعن أبي الطفيل قال قدم معاوية وابن عباس الكعبة فاستلم ابن عباس الأركان كلها فقال له معاوية إنما استلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الركنين اليمانيين ! قال ابن عباس: ليس شيء من البيت مهجورا([88]).

وحكى ابن المنذر ذلك عن جابر وأنس والحسن والحسين رضي الله عنهم:

جاء سيدنا عمر بن الخطاب إلى سيدنا أبي بكر رضي الله عنه يقول له: يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أرى القتل قد استمر في القراء فلو جمعت القرآن في مصحف فيقول الخليفة: كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ فيقول عمر: إنه والله خير ولم يزل به حتى قبل فيبعثان إلى زيد بن ثابت رضي الله عنه فيقولان له ذلك فيقول: كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ فيقولان له : إنه والله خير فلا يزالان به حتى شرح الله صدره كما شرح صدر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما([89]).

وقد أقر الشاطبي بهذا العمل وأنه واجب وسماه مصلحة وأبى أن يسميه بدعة لأن البدعة عنده ما قصد بها الزيادة على الشارع ويعني بهذا البدعة السيئة.

وعن أبي مدينة الدارمي وكانت له صحبة قال: كان الرجلان من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا التقيا لم يفترقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر سورة ﴿ والعصر إن الإنسان لفي خسر ﴾([90]).([91])

ولما جمع زيد بن ثابت القرآن في مصحف وضعها عند أبي بكر فلما توفي كانت عند عمر فلما توفي كانت عند حفصة وفي أوائل خلافة عثمان رضي الله عنه حصل الاختلاف في قراءة القرآن فقال حذيفة بن اليمان لعثمان رضي الله عنهما: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة ، قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى فأهل الشام يقرؤون بقراءة أبي بن كعب فيأتون بما لم يسمع أهل العراق وأهل العراق يقرؤون بقراءة عبدالله بن مسعود فيأتون بما لم يسمع أهل الشام فيكفر بعضهم بعضا فارسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي علينا الصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك فأمر زيد بن ثابت وعبدالله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبدالرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف وأرسل إلى كل أفق بمصحف وحبس واحدا بالمدينة وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة ان يحرق وتركوا القراءات الشاذة.

وهذا العمل وإن لم يكن على عهد النبوة لكنه يعد من أهم وأكبر حسنات سيدنا عثمان وأكثرها فائدة للإسلام والمسلمين.

وعن سيدنا أنس رضي الله عنه : أنه شهد جنازة رجل من الأنصار قال: فأظهروا الاستغفار فلم ينكر ذلك أنس وأدخلوه من قبل رجل القبر([92]).

وعن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه كان إذا صلى الجمعة انصرف فقال: اللهم إني أجبت دعوتك وصليت فريضتك وانتشرت كما أمرتني فارزقني من فضلك وأنت خير الرزاقين.

وأخرج الطبراني عن سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه أنه كان إذا ختم القرآن جمع أهله وولده ودعا لهم.

وعن داود بن أبي صالح قال: أقبل مروان يوما فوجد رجلا واضعا وجهه على القبر فقال : أتدري ما تصنع؟ فأقبل عليه فإذا هو أبو أيوب فقال: نعم جئت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم آتِ الحجر([93]).

وعن سيدنا ابن عمر رضي الله عنه : أنه كان يقول في تشميت العاطس : يرحمنا الله وإياكم ويغفر الله لنا ولكم. والمأثور : فليقل له صاحبه : يرحمك الله فإذا قال له ذلك فليقل: يهديكم الله ويصلح بالكم([94]).

وأخرج أحمد في الزهد عن سيدنا أبي صفية رضي الله عنه – رجل من الصحابة كان خازنا – أنه كان يسبح بالحصى.

وأخرج ابن سعد أن سيدنا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه كان يسبح بالحصى.

وسيدنا أبو هريرة رضي الله عنه أيضا صح عنه أنه كان له خيط فيه ألفا عقدة فلا ينام حتى يسبح به. وقد قال رضي الله عنه : (إني لأستغفر الله عز وجل وأتوب إليه كل يوم اثني عشر ألف مرة وذلك على قدر ذنبي)([95]).

واخرج الطبراني في معجمه الأوسط عن سيدنا علي كرم الله وجهه أنه كان يعلم بصيغة جديدة في الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم أولها: (اللهم يا داحي المدحوات…).

وأورد الحافظ ابن حجر في المطالب العالية – ورمز بالصحة – عن ثوبة مولى بني هاشم قال: قلت لابن عمر: كيف الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؟ فقال ابن عمر ( اللهم اجعل صلواتك وبركاتك ورحمتك على سيد المرسلين وإمام المتقين وخاتم النبيين محمد عبدك ورسولك إمام الخير وقائد الخير اللهم ابعثه يوم القيامة مقاما محمودا يغبطه الأولون والآخرون وصل اللهم على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد).

وعن سيدنا الطفيل بن أبي بن كعب أنه كان يأتي عبدالله بن عمر فيغدو معه إلى السوق قال: فإذا غدونا إلى السوق لم يمر عبدالله على سفاط ولا صاحب بيعة ولا مسكين ولا أحد إلا سلم عليه فقلت له : ما تصنع وأنت لا تقف على البيع ولا تسأل عن السلع ولا تسوم بها ولا تجلس في مجالس السوق؟ فقال: يا أبا بطن – وكان الطفيل ذا بطن – إنما نغدوا من اجل السلام لنسلم على من لقيناه([96]).

وعن سيدنا ابن عمر رضي الله عنهما أن المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان مبنيا باللبن وسقفه الجريد وعمده خشب النخل فلم يزد فيه ابو بكر شيئا وزاد فيه عمر وبناه على بنيانه في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم باللبن والجريد وأعاد عمده خشبا ثم غيره عثمان فزاد فيه زيادة كثيرة وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والفضة وجعل عمده من حجارة منقوشة وسقفه بالساج (خشب هندي).

وعن سيدتنا عائشة رضي الله عنها قالت: إن المقام كان في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وزمن أبي بكر ملتصقا بالبيت ثم أخره عمر.

وقال الحافظ في فتح الباري: ولم تنكر الصحابة فعل عمر ولا من جاء بعدهم فصار إجماعا وكأن عمر رأى إبقاءه يلزم منه التضييق على الطائفين أو على المصلين فوضعه في مكان يرتفع فيه الحرج وتهيأ له ذلك لأنه الذي كان أشار باتخاذ مصلى وأول من عمل عليه المقصورة الموجودة الآن.

وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه : (أول من أرزق المؤذنين إمام هدى عثمان ابن عفان).

وإن مما يعتقد بعض الناس بدعيته وهو ثابت في الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

و الله من وراء القصد و هو يهدى السبيل و صلى اللهم على سيدنا محمد وعلى آله و صحبه و سلم



([1]) كتاب الاقتضاء ص (76).

([2]) سورة البقرة الآية (117).

([3]) سورة الأحقاف الآية (9).

([4]) أخرجه مسلم من حديث طويل (2002) والنسائي (1577) وابن ماجه (45) والدارمي (2210) وأحمد (3/310) وابن خزيمة (1785) وأبو يعلى (2111) والبيهقي (3/206) والبغوي (4295) وابن حبان (10).

([5]) أخرجه البخاري (1906) ومالك ( 1/ 114 -115).

([6]) رواه الإمام أحمد (4/126 -127) وأبو داود (4607) والترمذي (2676) وقال حسن صحيح وابن ماجه (43) والدارمي (95) والبغوي (102) والحاكم (1/95 - 96) وصححه ووافقه الذهبي والبيهقي (6/541) والطحاوي في مشكل الآثار (2/69) وابن حبان (5) والطبراني في الكبير (18/ برقم 617) والآجري في الشريعة ص (46) وابن أبي عاصم (27).

([7]) سورة الحديد الآية (27).

([8]) أخرجه الطبراني في الأوسط (7446).

([9]) تقدم تخريجه.

([10]) سورة الأنبياء الآية (98).

([11]) سورة النجم الآية (39).

([12]) نقلها الشيخ الجمل في حاشيته على (الجلالين) عن ابن تيمية رحمه الله تعالى عند تفسير هذه الآية (وقد أوردتها في باب وصول ثواب القرآن.

([13]) سورة آل عمران الآية (173).

([14]) سورة الأنعام الآية (44).

([15]) سورة آل عمران الآية (159).

([16]) سورة طه الآية (15).

([17]) أخرجه مسلم (634) وابن حبان (1740) وقال إسناده صحيح وأبو داود (427) والنسائي (470) وأحمد (4/261) والبيهقي (1/466) وابن أبي شيبة (2/386) وابن خزيمة (318) والبغوي (382).

([18]) أخرجه البخاري (5364).

([19]) أخرجه البخاري (2550) وفي خلق أفعال العبد (43) ومسلم (1718) وأحمد (6/73) في المسند، وابن ماجه (14) وأبو داود (4606) والداقطني (4/224 - 225) وابن حبان في صحيحه (26 - 27) وابن أبي عاصم في السنة (52) والبغوي (103) وأبو عوانه (4/18) والقضاعي في مسند الشهاب (359) والطيالسي (1422) وأبو يعلى (4594).

([20]) أخرجه البخاري (5537)  ومسلم (1945) وأبو داود (3794) وابن ماجه (3251) ومالك (2/968) والطبراني في ال كبير (3816) والشافعي (2/174) والنسائي (4327).

([21]) أخرجه البخاري (1225) ومسلم(572) والدارقطني (1/375) وأبو داود (1020) والنسائي (1240) ومختصرا وابن ماجه (1211) وابن حبان (2662) وابن أبي شيبة (2/25) وأبو عوانة (2/202) وأحمد (1/379).

([22]) سورة الحج الآية (77).

([23]) أخرجه مسلم (1333) والنسائي (2903) وابن حبان (3818) وأحمد (6/179 - 180) وأبو يعلى (4628).

([24]) سورة الإسراء الآية (32).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق