مدونة مراقى الصالحين: منهج العناية بالطفل في الإسلام

الجمعة، 4 نوفمبر 2011

منهج العناية بالطفل في الإسلام


{ مَنْ لاَ يَهْتَمُّ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ، وَمَنْ لاَ يُصْبِحْ وَلاَ يُمْشِي نَاصِحاً لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِكِتَابِهِ وَلإِمَامِهِ وَلِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ }[1]
أي أن كل مسلم يجب أن يفكر في أمور المسلمين، ومشاكل المؤمنين، بقَدْرِ ما يفكر به في مشاكل نفسه أو أكثر، خاصة وأن هذه المشاكل قد كثرت، والبلاء بها قد عمّ، بل إن الأمر قد انتهى إلى أزمة مستحكمة في الأخلاق والمعاملات، لا يجد كثيرٌ من الناس لها مخرجًا، وأصبح الأمر كما يقول أحمد شوقي:
وإذا أُصِيبَ النَّاسُ في أَخْلاقِهِم   فَأَقِـمْ عَلَيْهِمْ مَأتَماً وَعَوِيلا
ويعكف الخبراء والعلماء الآن على بحث الطرق السديدة للنهوض بمجتمعنا- اقتصاديًا، وعلميًا، وثقافياً، وأخلاقيًا، وغيرها - ولكنهم لا يهتدون لذلك، لأنهم يبحثون عن الحل في تجارب الآخرين!!
!
فينظرون مثلاً إلى تجربة روسيا فيقومون بتنفيذها في مجتمعنا، مع علمهم - علم اليقين - أن لكل مجتمع طباعه وعاداته، وأخلاق أهله التي ينفرد بها عن سواه.
فإذا لم تفلح هذه التجربة، نظروا إلى تجربة أمريكا فيطبقونها، فإذا ثبت فشلها، اتجهوا إلى اليابان أو إلى ألمانيا، وهم في كل ذلك يريدون أن يطبقوا علينا مبادئ القوم ومُثُلَهُم لعلنا نصير يوماً إلى مثل حالهم في الدنيا - من العلوِّ في الأرض، والزخرف والزينة ...
ونسوا أن أساس الإصلاح في أي مجتمع من المجتمعات هو الفرد نفسه!! وهذا لا تقومه القوانين، ولا تصلحه اللوائج ولا التوصيات والتعليمات، وإلا فأى قانون يستطيع أن يمنع الغش نهائياً؟!! وأي قانون يمنع الغِيبَةَ والنميمة، والمكر والخداع، واللؤم والخيانة؟!!
لا يوجد إلاَّ قانونٌ واحد .. هو قانون السماء، الذي أنزله الله في دستوره -القرآن الكريم - ووضع يده عليه النَّبِيُّ r، وأسَّس عليه دولة المؤمنين في زمانه وإلى يوم الدين، وإلى هذا الإشارة بقوله الإمام مالك t:
{ إنما يُصلح أخرَ هذه الأمة بِمَا صَلُحَ به أولها }[2]
وأولها لم يستمدوا مدنيتهم وحضارتهم من الفرس ولا من الروم، وإنما أخذوها من نور كتاب الله U .
وأساس إصلاح الأفراد - والذي يتوقف عليه إصلاح المجتمعات - هو إصلاح النفوس والضمائر، لأن النفوس إذا صلحت، والضمائر إذا طهرت، لا يحتاج الناس إلى من يمنعهم من الغشِّ، لأن الرقيب في صدورهم، والمشرف عليهم والمحاسب لهم قلوبهم وأفئدتهم. فلا يرهبون من ذي سلطان، لأن سلطان الضمير أبلغ في التوبيخ والتقريع - إذا كانت النفس الأمارة بالسوء هي المهيمنة على تصرفات - وسلوك الإنسان، والنفس الأمَّارة هي المهيمنة على أهل النفاق وكل من لا إيمان له.
فكل من لا ينقعد في قلبه الإيمان كما جاء به النبي العدنان r - وإن تظاهر يوماً بين الناس بالأمانة والصدق والمروءة - فهو داخل في قول الله U فى [53- يوسف]:
} إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ {
 وإنما يكون تظاهرهم بالأخلاق الكريمة لخداع غيرهم، حتى يقعوا تحت سطوتهم، وبعد ذلك ينفذون فيهم مخططاتهم الإبليسية من الغدر والخداع واللؤم والخسة.
والذي يرحمه الله بالإيمان، ويهذب نفسه بالقرآن، هو الذي يصلحه الله، فينبه في داخله النفس اللوَّامة التي أقسم بها الله في قوله:
} وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ { [3- القيامة]
 فتلومه وتوبخه عندما يعصى الله، أو يفعل ما نهى عنه الله، أو يخالف في صغير أو كبير هَدْىَ رسول الله r والفرد الذي يتربى على ذلك لا يحتاج إلى مَنْ يمشي حوله ليراقبه من الشرطة أو المخابرات، ولا يحتاج إلى من يفاجئه في عمله أو في تجارته من أي جهة من الجهات، لأن الرقيب الإيماني الذي بداخله يمنعه أن يتصرف أي تصرف - بأي جارحة من جوارحه - دون الموافقة على ذلك، من هيئة الرقابة الإيمانية التي تسكن في صدره وفؤاده ولسان حاله يردد قول القائل:
إذا مَا خَلَوْتَ الدَّهْرَ يَوماً فَلا تَقُـلْ      خَلَوْتُ وَلَكِنْ قُلْ عَلَىَّ رَقِيبُ
وَلا تَحْسَبَنَّ  اللهَ  يَغْفِـلُ سَاعَــةً     وَلا أَنَّ مَا تُخْفِـي عَلَيْهِ يَغِيبُ
فهذا جنديٌّ منهم يدخل قصور كسرى – بعد ما فُتحت للمسلمين - ويعثر على صندوق كبير يحوي مجوهرات وحُلِيَّ نساء كسرى، فيحمله على حالته ويسلمه للقائد، فيفتحه وينظر ما فيه فيتعجب ويقول له: هل رأيت ما فيه؟!! قال: نعم. قال: ما اسمك؟ قال: ولماذا؟ قال: لنُكَرِّمُك!
قال: لو أردت بذلك كرامتي عندك ما جئتك به لأن فيه الغناء!! فاستدرك القائد قائلاً: نرسل في أمرك إلى عمر ليعلم بفعلتك هذه هو وأصحابه فيثنوا عليك بسببها. فقال الرجل:
إني لم أعمل ذلك من أجلك ولا من أجل عمر، وإنما عملته لله U ، ولا أريد أن يعلم بعملي هذا أنت ولا عمر:
}َ وَقُل اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ { [105- التوبة].
هذا الذي ربَّى عليه مُحَمَّدٌ r أصحابَهُ.
فتجد الرَّجُلَ منهم عارى الجسد إلاَّ الذي يستر عورته، وجائع البطن لكنه لو عرضت عليه كنوز الدنيا كلها تجده زاهدا فيها، لماذا؟!
خوفًا من الله U ، ومراقبة لله سبحانه وتعالى.
لا يمنعه قانون ولا يخوِّفُه مراقبون، إلا هيئة الرقابة التي بداخله - والتي لا تُفتح إلا بصدق اليقين في هذا الدين - فهي التي تمنعه من مثل هذا. فإذا سألته ما الذي يمنعك؟ يقول: منعني الله، وما الذي جعلك تترك هذا؟ يقول: نهاني الله، لأن في قلوبهم نَفْساً تتلقى عن الله U أوامره، وتُصدرها لهذا الجسم ليكون سائراً على ما يُحِبُّه الله ويرضاه.
والذي أسعد هؤلاء القوم وبلَّغهم المنازل العالية، وجعلهم يجتاحون في زمانهم الأمم الراقية، لا يرجع إلى أنَّهم ربُّوا أبناءهم في مدارس أجنبية، أو لأنهم حفَّظوهم لغات أجنبية، وإنما لأنهم علموهم هذه اللغة الإلهية، وجعلوهم في كل نَفَسٍ يراقبون الذات العليَّة!! وشعارهم:
( نَزِّه الله أن يراك حيث نهاك، أو يفتقدك حيث أمرك ).
وكان اعتناء الحكومة في زمانهم شديدًا في تفقد هذه التربية، فيخرج عُمَرُ إلى البادية - والتي هي بعيدًا عن العاصمة - ليتفقد هل وصلتهم هذه التعليمات الإلهية؟ فيجد ولدًا صغيرًا يرعى أغناماً فيناديه - وهو لا يعرف أنه خليفة المسلمين - ويقول: يا غلام بِعْ لِي شاة من هذا الغنم، فقال الغلام، إنها ليست لي، وإنما أنا أجير وهي ملك سيدي. فقال:
يا غلام، قُلْ له أن الذئب أكلها. فقال الغلام: يا سيدي إذا قلت هذا لسيدي الصغير - هنا في الدنيا - فماذا أقول غداً لسيدي الكبير يوم القيامة؟!!
ويمشي في طرقات المدينة بالليل يتفقد هذا الخُلُق - وهو مراقبة الله U - فيمشي بمفرده، وليس حوله حاشية ولا حرس - لأنه يحرُسُه إيمانُه، وعدالتُه بين الناس في زمانه - فيسمع حواراً يدور بين أمٍّ وابنتها - تختبر فيه صدق إيمانها - فتقول لها:
يا بُنيَّة، ضعي على اللبن قدراً من الماء قبل أن نبيعه في الصباح. فقالت البنت: يا أُمَّاه، أمّا علمت أن أمير المؤمنين قد نهى عن خلط اللبن بالماء؟!!
فقالت الأم: يا بُنيَّه، وهل أمير المؤمنين يرانا الآن؟
فقالت البنت: يا أُمَّاه إذا كان أمير المؤمنين لا يرانا فإنَّ الله U يرانا، فوضع حجرًا أمام الباب حتى يعرفه في الصباح. وفي الصباح جمع أولاده وقال لهم عمر y:
 يا بَنِِىّ، لقد كَبُرَ سني وَضَعُفَتْ قوتي، ووالله لو كان بي قوة لتزوجت من هذه الفتاة، مَنْ مِنْكُم يتزوجها، وأنا أتكفل له بجهازها كلِّه؟
فقال ابنه عاصم: أنا، فتزوجها فولدت فتاةً جاء منها عمر بن عبد العزيز الخليفة الخامس للخلفاء الراشدين، لأنه من بذرة منتقاة أُسِّسَتْ على تَقْوَى الله، وعلى مراقبة الله U في السرِّ والعلن، فهذه التربية الإيمانية التي تؤسس على المبادىء التالية:
-       مراقبة الله U فى السر والعلن.
-       إخلاص العمل لله.
-        والصدق.
-       والأمانة ...
هي وحدها التي تستطيع حلَّ مشاكل مجتمعنا بِرُمَّتِهَا - بل حلَّ مشاكل البشرية كلِّها، لو سمحت لها الظروف بتطبيق مُثلها وقيمها الإسلامية.
وهذا الذي دعانا إلى عمل مثل هذا الكتاب، والذي يتحدث عن تربية القرآن للمسلم - وليداً ورضيعاً، وطفلاً وصبيًّا، وشابًا ورجلاً - ليكون رَجُلاً من الرجال الذين يقول الله في شأنهم:
} كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ { [110- آل عمران].
ونرجو أن يطلع عليه إخواننا المؤمنون، ويسيروا على نهج القرآن في تربية أنفسهم وأولادهم، لعل الله U ينظر إلينا بعين عنايته فيصلح أحوالنا، وينقلنا من ذلِّ المعصية إلى عزِّ الطاعة، ومن التَّبعيَّة لغيرنا إلى السِّيادةِ بمُثُلِنَا وقيمنا وتعاليم ديننا، فقد قال سيدنا عمر بن الخطاب t :
{ إنا قوم أعزنا الله بالإسلام، فلن نلتمس العز بغيره }[3]
نسأل الله U أن يجعل بنا وعلى أيدينا إعادة مجد الإسلام، وإصلاح أحوال المسلمين وأن يجعلنا من المعنيين بخطابه في قوله U :
} وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ { [55النور].

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم



الفصل الأول
أحكام المولود في الإسلام
·       عجائب ولادة المسلم
·       الواجب على الأب نحو المولود
·       تنبيه وعبر
·       نبات الله
صورة ثلاثية الأبعاد للجنين فى بطن أمه عند خمسة أشهر من الحمل
الفصل الأول
أحكام المولود في الإسلام
عجائب ولادة المسلم
جعل الله U للمولود في الإسلام أمرًا عجيبًا، وشأنًا غريبًا، وذلك تأسيًا بميلاد رسل الله الكرام ورسول الله r . فقد كانت ولادته خرقًا للعادة - وليست كأي ولادة عادية -  لأنه :كان يُسَّبِحُ في بطن أمه، ويُسْمَعْ تسبيحه وصوته وهو في بطنها. وقد وردأنه وُلِدَ ساجدًا، مختونًا، مقطوع السُّرة، يرفع إصبعه - السبابة - إلى السماء) [4]
وقد ورد أيضًا: أن الملائكة والأرواح الطاهرة نزلت لمولده r ، وذُكِرَ مِمََّنْ حضرن ذلك السيدة آسية امرأة فرعون، والسيدة مريم ابنة عمران، والحور العين، كلُّهن نزلنْ لحضور ولادته r
وكذلك الطفل المسلم تحضر ميلاده لجنةٌ من الملائكة الكرام، فتساعد أمه في إتمام ولادته - وهى لا تشعر - وتكتنفه من جميع نواحيه لحفظه من الشياطين، لأن الطفل الذي يُولَدْ يحاول الشيطان أن يستحوز عليه، فَيُنْزِلُ الله U جنده لحمايته من مكر الشيطان وكيده، ويبقون في ذلك المكان - إما أسبوعًا على رأي، وإما أربعين يومًا على الرأي الآخر. فمكان الميلاد تَتَنَزَّلُ فيه الرحمات والبركات، ولذلك طلب سيدنا جبريل من رسول الله r  في رحلة الإسراء أن ينزل في بيت لحم حيث وُلِدَ سيدنا عيسى، فقال: إنزل ههنا فَصَلِّ حيث وُلِدَ عيسى. وهذا يدل على المكانة الكبيرة والمنزلة العظيمة لمكان ميلاد الأنبياء، وقد قال r:
{ إذا وُلِدَتْ الجَارِيَةُ بعث الله U إليها مَلَكاً يزقُّ البركة زقاً، يقول: ضعيفة خرجت من ضعيفة!! القيِّمُ عليها مُعانٌ إلى يوم القيامة. وإذا وُلِدَ الغلام بعث الله إليه مَلَكاً من السماء، فقبَّل بين عينيه، وقال: الله يقرؤك السلام }[5].
الواجب على الأب نحو المولود
يجب على الأب أو من حضر ميلاد الطفل من الأقارب ما يلي:
1.  الآذان: أن يؤذن في أذن الطفل اليمنى آذان الصلاة، ويقيم الصلاة في أذنه اليسرى على أن يكون ذلك بصوت خافت لا يؤذي المولود، وفائدة ذلك حفظ المولود من الشيطانة الموكلة بالصبيان لقوله r:
{ وإذا ولد لأحدكم مولود فليؤذن في أذنه اليمنى، ويقيم الصلاة في أذنه اليسرى فإن ذلك يحفظه من أم الصبيان} [6]
2. التحنيك: وقد كان r يضع ثمرات في فيه، ثم يتناولها ويضعها في فم المولود التماسا لبركة ريقه صلوات الله وسلامه عليه، وقد حبذ ذلك جماهير العلماء وخاصة إذا كان ذلك على يد رجل صالح لقوله r:
{ سؤر المؤمن شفاء }[7]
 وكره ذلك بعض المعاصرين خوفًا من وجود مرض معدي ينتقل عن طريق الريق، وإن اتفق الجميع على استحسان أن يكون أول شئ يصل إلى جوف المولود طعام أو شراب حلو.
2.    الحلق والتصدق:
فقد ( أمر r عند ولادة الحسن والحسين الحلاق أن يحلق شعرهما ووزن مقابله ذهبًا وأمر بأن يتصدق به) [8]فإذا كان المولود ولدًا أو بنتًا له شعر فعلنا معه ذلك تأسيًا بهديه صلوات الله وسلامه عليه، وإن كان شعره قصير وقليل كمعظم المواليد في عصرنا بسبب تعاطى الأمهات للأدوية أثناء الحمل - اكتفينا بالتصدق عن المولود بما يوازي ثمن جرام ذهب تقريبًا أو أقل أو أكثر على حسب السعة، عملاً بقول الله تعالى:
 } لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ { [7- الطلاق].
4. التسمية: وتكون باختيار اسم حسن له دلالة ومعنى لقوله r
{ أكرموا أبناءكم، وأحسنوا أسمائهم }[9]
 وخير الأسماء بالنسبة للذكور هي المشار إليها بقوله r:
{ خير الأسماء ما حُمِدَ وعُبِد }[10]
أي أسماء الرسول r ، والأسماء المضافة إلى صفات الله U ، كعبد الرحمن، وعبد اللطيف وغيرها.
أما بالنسبة للإناث فخير الأسماء ما وافق أسماء أمهات المؤمنين، أو الصحابيات الجليلات، أو النساء الصالحات، والمهم في كل هذه الأسماء أن تكون عربية ولها معنى معبر، ويكره التسمي بالألفاظ الأجنبية أو الأسماء التي تثير السخرية والإشمئزاز عند النداء بها.
5. العقيقة: وهي ذبيحة تذبح عند السابع أو بعده لكل مولود ذكر أو أنثى، وهي سنة عند السعة:
 } وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ { [280- البقرة].
  ويأكل منها الأهل والأقارب والفقراء والمساكين لقوله r:
{ على كل مولود عقيقة تعقُّ عنه يوم السابع تميط عنه الأذى }[11]
أما غير المستطيع فليس مطالباً بها، وليس عليه شئ بتركها، أما ما يفعله الناس في عصرنا يوم السابع من إطعام للطعام، وتوزيع لمعلبات أو أكياس مليئة بأنواع الحلوى والمكسرات فهي من باب الصدقات - إذا نوى صاحبها بها ذلك - على ألا يسرف فيها، ولا تخرج إلى المباهاة لقوله r :
{ كلوا واشربوا في غير سرف ولا مخيلة }[12]
6. الختان: وهو سنة للرجال ومستحب للنساء لقوله r:
{ الختان سُنَّةٌ للرجال، ومكرمة للنساء }[13]
 وقد بدأت الأمم الغربية في ختان الذكور والتشديد في ذلك، حفظًا لسلامة عضو الذكورة من الأمراض التي تتسبب من تراكم الميكروبات والجراثيم تحت القلفة (القطعة التي تحيط بعضو الذكورة من أعلى، ويأمر الإسلام بإزالتها) أيضاً حفظاً لسلامة المرأة إذ ثبت بالدليل العلمى أن عدم ختان الرجال أحد الأسباب الأساسية لإصابة النساء بأمراض تناسلية عديدة ومنها الخبيث، وكثير من الباحثين الغربيين يطالبون بختان الإناث عند الحاجة لذلك - نظرًا للفوائد الكثيرة التي تعود على الأنثى من هذا، ولذا تقول الباحثة الأمريكية ماري استوبس في كتابها ]المرشد في العلاقات الجنسية[:
(إن من خير العادات عند المسلمين عادة ختان الأنثى، لأن بعض الإناث يصل حجم البظر عندهن إلى قريب من الذَّكَرِ عند الرجل، ومثل هذه كلَّما احتك بظرها بملابسها الداخلية تهيَّجَتْ الشَّهْوَةُ عندها)، والهدي النبوي في ختان الأنثى هو قوله r للمرأة التي كانت تزاول ذلك بين نساء الأنصار:
{ يا أم عطية اخفضي ولا تنهكي، فإنه أنضر للوجه ، وأحظى عند البعل }[14]
تنبيه وعبرة
إذا رزق المرء بمولود جديد فهذه نعمة عظمى ساقها الله U إليه، فعليه أن يقابلها بالشكر، بأن يصلي ركعتين شكرًا لله U ، أو بأن يتصدق على الفقراء والمساكين، أو بأن يطعم الطعام، ومن تمام الشكر على هذه النعمة ألا يُظهر الفرح بذلك أكثر من اللازم، أو يتباهى بذلك بين الأهل والأصحاب والجيران - كما تفعل النساء - لأن هذا أمرٌ لا يحصِّله المرء بإرادته، ولا يناله باختياره، وإنما كما قال الله U :
} يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاء عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ { [49-50الشورى].
وقد نبه إلى العبرة في مجئ المولود الإمام أبو العزائم t وذلك في قصة رمزية ساقها إلى تلاميذه حيث قال فيما روى عنه:
( ركب رجل البحر مع جماعة كثيرة، وبينما هم في عرض البحر هبَّت عليهم ريحٌ شديدة أغرقت السفينة بِمَنْ فيها، ولم يبق إلا لوح من ألواح هذه السفينة طفا على سطح الماء وتعلق به هذا الرجل، وصارت الأمواج تتقاذفه حتى اقترب من شاطئ جزيرة، وهناك رأى عجبًا، فقد وجد جموعًا كثيرة على الشاطئ تنتظره ومعهم تاج المُلك، وعند وصوله إلى الشاطئ تصايحوا فرحين وألبسوه التاج، ونادوا به ملكًا عليهم، وهتفوا بحياته، وساروا به في موكب عظيم حتى أوصلوه إلى قصر المُلك.
وبعد انصراف تلك الجموع، أحضر كبار مساعديه وسألهم عن هذا الأمر؟ فأخبروه بأن هذه عادتهم المتبعة في كل عام حيث يستقبلون ناج من البحر وينصبونه مَلِكًا عليهم في كل عام، ويقومون بعده بقذفه في وسط غابة مجاورة مليئة بالوحوش الكاسرة، ويبحثون عن غيره وهكذا دواليك.
فاستوضحهم عن الصلاحيات المخولة له، فأخبروه أن كلَّ أمرٍ له مطاع طوال سنة حكمه. فعين أحدهم وزيرًا وأصدر إليه ثلاث قرارات أَمَرَهُ بتنفيذها فورًا هي:
1.      إزالة هذه الغابة بالكلية.
2.      بناء قصر مكانها يلائم أبهة الملك.
3.      زراعة حديقة حول القصر تحوي كل خيرات الأرض.
وعند انتهاء العام طالبهم بتنفيذ عادتهم، فقالوا: لقد فوَّتَّ الأمر علينا بحكمتك وحسن تصرفك.
ويسوق الإمام أبو العزائم t العبرة في هذه القصة حيث يقول: تشير هذه القصة إلى قصة كل مولود يخرج إلى هذه الحياة. فالطفل في بطن أمه كالغريق وسط البحر، وعند ولادته ينزل مَلَك فيخرجه بلطف ورقة وحنان على ريشة من جناحه، كالغريق الذي تعلق بلوح الخشب، والجنين في بطن الأم يحيطه الله U بالماء من جميع الجهات حتى لا يتأثر بحركتها واهتزازاتها، ويتولاه الرزاق فيواصله بالهواء والماء والدواء والطعام عن طريق الحبل السريِّ، ويخرج منه بواسطته كذلك الفضلات. وبعد نزوله إلى الأرض يلتف حوله الأهل والأحباب ويقيمون الزينات والاحتفالات، ويكون له السلطان على كل مَنْ حوله، وعلى الأعضاء التي معه، طوال عمره في الدنيا.
فإن أساء في تصرفاته وفي سلوكه قذفوا به إلى جهنم وبئس المصير، وإن أحسن لنفسه واستبدل مقعده في النار بقصر في الجنة - بناه بعمله الصالح وبرِّه وتقواه - فهيئا له الحياة الطيبة الأبدية في جوار الله. وفي ذلك يقول القائل:
لا دَارَ لِلمَرْءِ بَعْدَ الْمَوتِ يَسْكُنُهَا     إِلاَّ التي كَانَ قَبْلَ الْمَوتِ يَبْنِيهَا
فَإِنْ بَنَـاهَا بِخَيْرٍ طَابَ مَسْـكَنُهُ    وإِنْ بَنَـاهَا بِشَرٍّ خَـابَ  بَانِيهَا
نَبَاتُ الله
فالإنسان نبات الله يتولى زراعته، ويتعهده برعايته، ويجني ثمرة عمله الله U وإلى ذلك الإشارة بقوله عزَّ شأنه:
} وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا { [45- الكهف].
فالحق ينزل الماء وهو مني الرجل من سماء الرفعة لأ الرجل أرفع قدرًا في حالة الوقاع، ويضعه في أرض المرأة:
} وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتًا { [17- نوح].
وهو يشبه النبات في هيئته وإن كانت حالته مقلوبه فالرأس بما فيها من حواس بمثابة الجذر في النبات - حيث به حواس النبات والقوة الغاذية وغيرها - والجسم كالجذع للنبات، والأذرع والأرجل كالسيقان والأوراق.
ويمر الإنسان بمراحل النبات فيكون صغيرًا ثم شابًا فتيًا غضًا طريًا، ثم رجلاً قويًا ثم شيخًا، ثم يكون حصاده، من الذي يحصده؟!! الزارع له - وهو الله U . فإن كان زرعًا له ثمرة من الصالحات والقربات فهنيئًا له الجنة، وإن كان زرعًا ليس له ثمر من الطاعات والخيرات فهو حطبٌ - توقد به جهنم: } وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ { [6- التحريم]. ولذلك ورد في الأثر أن الناس كالشجرة فمن الشجر من له ظل وله ثمر، ومنه من له ظل وليس له ثمر، ومنه من ليس له ظل ولا ثمر.
- فأما الصنف الأول الذي له ظل وله ثمر:
فمثل العلماء العاملين والأولياء والصالحين، فمن الناس من ينتفع بالجلوس معهم ولو لم يسمع علمهم لأنهم يوجهون الناس بعلمهم وينهضونهم بحالهم، ويدعونهم إلى الصراط المستقيم بسلوكهم وهديهم، ومنهم من يُقبل على علومهم الإلهامية يغترفون منها - وهي ثمرة طاعاتهم، ونتاج إخلاصهم - لقوله r :
{ مَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ وَرَّثَهُ اللهُ عِلْمَ مَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ }[15]
وأولئك هم المقربون.
- وأما الذي له ظل وليس له ثمر فكأهل اليمين من المؤمنين:
وهم صالحون في أنفسهم، مطيعون لله U بأعمالهم، ينتفع بهم من يجالسهم - لتأثره بسلوكهم وأخلاقهم - وإن كانوا لا يوجهون غيرهم بأقوالهم، ولا يرشدونهم بتوجيهاتهم، فيكفيهم أنهم يعزلون شرَّهم عن غيرهم، ويَسْلَمُ الخَلْقُ من أيديهم وألسنتهم.
- وأما الذي ليس له ظل ولا ثمر فكالفاسق والفاجر والعياذ بالله:
فلا هو ينفع نفسه - بقوله أو بعمله - ولا ينتفع به غيره، بل إنه يجلب الضُّرَّ لنفسه بسوء فعله، ويصيب غيره بضُّرِّه. فهو كشجرة الشوك!! كلُّ مَنْ مرَّ بها آذته، وكذلك هو يؤذي الناس بلسانه - بالسبِّ والشَّتم، والغِيبة والنميمة وغيرها - ويؤذيهم بيده - بشكاية أو سرقة أو قتل – وهكذا، فالمؤمن يجب أن يكون كالشجرة الطيبة من يأوي إليه يجد العطف، ويشعر بالحنان والرقة، ويحس باللطف والأنس، ومن يلمسها يشم منها رائحة القرآن، وأخلاق النبي العدنان، وأحوال الصالحين والمتقين، فيكون كما قيل في الأثر الوارد عن الصالحين:
{ عاشروا الناس معاشرة إن عشتم حنوا إليكم، وإن متم بكوا عليكم }
ومثل هذا هو الذي فهم الحكمة من الأذان والإقامة في أذن المولود.
فالأذان والإقامة يقتضيان الصلاة!! فمتى هذه الصلاة؟ ..
إنها صلاة الجنازة لهذا العبد - لأنها تصلى بدون أذان أو إقامة - فكأن عُمُرَ العبد - مهما طال - فهو كما بين إقامة الصلاة وتكبيرة الإحرام في إفتتاح الصلاة!!
فما أصدق قول القائل إذاً:
دَقَّاتُ قَلْبِ المَــرْءِ قَائِـلَةٌ لَـهُ
إِنَّ الحَيَـاةَ دَقَــــائِقٌ وَثَوَانى
فَاعْمَلْ لِنَفْسِكَ بَعْدَ مَوْتِكَ ذِكْرَهَا
فَالذِّكْرُ لِلإِنْسَــــانِ عُمْرٌ ثَانِ

وما أجمل قول الإمام أبي العزائم t :

يا أيها الماء المهين من الذي سواك

ومن الذي في ظلمة الأحشاء قد والاك

يا نطفة بقـرارها قد صـورت

من ذا الذي بحنانه أنشـاك

ومن الذي شق العيون فأبصرت

ومن الذي بظهـوره أعلاك

ومن الذي غذاك من نعمــائه

ومن الكروب جميعها أنجاك

ومن الذي تعصى ويغفر دائمًا

ومن الذي تنسى ولا ينساك

ومن الذي بألست أسمعك النداّ

ومن  الذي بوصـاله ناداك

ومن الذي يدنو إليك بفضـله

وإذا سـألت جنابه أعطـاك

ومن الذي عند الشدائد تقصدن

ومن الذي إن تسـألن لباك

ومن المجيب ذا سـألت جنابه

وإذا طلبت وداده أعطـاك

ومن الذي منح الجميل بفضله

ومن الذي بتلطف أحيــاك

ومن الذي كشــف الحجاب توددا

حتى رأت أنـــواره عيناك

ومن الذي ملأ الفــؤاد بحبِّه

وبسره عند الصـفا ناجـاك

ومن الذي أولاك نـور جماله

وبذكره وشهـوده صــافك

فكر تراه ظاهـرًا بجمـــاله

متـنزلاً وهـو الـذي والاك

بِكَ قَدْ سَمِعْتُ لَكَ اعْتَرَفْتُ فَنَظْرَةٌ

أُعْطَى بِهَا يَا سَــيِّدِى جَدْوَاكَ

والوجه أشـرق حولنا بجمـاله

وعيوننا قد تشـهد الأمـلاكّ

سلم على المحبوب نـور قلوبنا

طه الذي بجمـــاله حلاَّك

والشاعر الحكيم قال:

وفي قبض كف الطفل عند ولادة

دليل على الحرص المركب في الحي

وفي بسطها عند الممات إشـارة

ألا فانظروا أني خرجت بلا شـئ



الفصل الثانى

منهج العناية بالطفل في الإسل
·    أسرار الرضاعة الطبيعية.
·    تأثير الرضاع في الطباع.
·    كراهة الحمل أثناء الرضاع، والرضاع وقت الجماع.
·    رعاية الصبيان.
·    تهذيب الصبي.
·    تدليل الصبي.
·    تقويم الصبي.
·    التقويم بالعقوبة.
·    العقاب بالضرب في الإسلام

بسم الله الرحمن الرحيم
} وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ {
(233 البقرة)


الفصل الثاني
منهج العناية بالطفل في الإسلام
أسرار الرضاعة الطبيعية
أكد الله U على أَمْرٍ مهم تنصَّلت منه بعض الأمهات في عصرنا هذا، وبدأن ينصحن أنفسهن بذلك، لا سيما اللاتي يذهبن إلى ميادين الأعمال، حيث تنصح إحداهن الأخرى قائلة: إياك أن ترضعي طفلك رضاعة طبيعية لأن ذلك يجعل صدرك يتهدل، ويصبح قوامك غير رشيق!!. لكن الله U كما قال في كتابه: } إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ { [14- الفجر].
فقد خرج علينا الطب الحديث ليحذرهن من ترك الرضاعة الطبيعية عن طريق ثدي الأم أو التهاون بها، لأن ذلك يعرض الأم لمرض سرطان الثدي!! والذي ثبت علميًا أن الرضاعة الطبيعية هي خير وسيلة لاكتساب المرأة المناعة من الإصابة به. فالمرأة التي تخشى من إرضاع طفلها خوفًا على مظهرها، قد تتعرض لإزالة الثديين بالكلية إذا أصيبا بهذا الداء الخبيث وصدق الله إذ يقول:
 } وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ { [233 البقرة].
والحول هو سنة هجرية كاملة، وكل الأحكام الخاصة بأمور النساء في القرآن من حيض ونفاس وعدة وحمل ورضاع تحسب بالأشهر الهجرية، لأنها هى التي نزلت بها الأحكام التشريعية.
ولذا أمر الله U بالرضاعة من ثدي الأم وحث عليه حتى في أحلك الظروف فهذا فرعون مصر عندما أصدر أمرًا لجنوده بقتل كل مولود يولد ذكرًا لبني إسرائيل خشية زوال ملكه، وكانت أم موسى حاملًا به، فأعدت خطة لإخفائه عن فرعون وجنوده عقب ولادته، ولم تفكر في أمر الرضاعة، ولكن الله U لإحاطته سبحانه وتعالى بأثر هذه الرضاعة الطبيعية أشار عليها بذلك قائلاً فى [7- القصص]:
 } وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ {.
ومن أجل أن يؤكد لنا الله U على أهمية هذه الرضاعة، حَرَّمَ على موسى أثداء النساء ووجه أخته لتقتفي أثره، وتتعرف على خبره، فلما وجدته لا يرضع دلتهم على أمه فأرجعه الله U إلى أمه ليرضع من ثديها حرصًا عليه وإلى ذلك الإشارة بقول الله U فى [11-13- القصص].:
 } وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ {
لماذا كل هذه العناية من الإسلام بالرضاع من ثدي الأم؟!!
لأن بالثدي المعمل الإلهي الذي جهزه الله U لتغذية وإرواء وتحصين الولدان، ومهما تقدمت البشرية في العلم، واخترعت من أجهزة ومعدات، فلن يستطيع أفذاذ العلماء أن يجهزوا معملًا لتغذية الطفل الرضيع بهذه الكيفية الإلهية، فإنه ينزل اللبن بقدر معلوم على قدر حاجة الصبي، فأول جرعة تخرج من هذا المعمل للطفل عقب ولادته وتسمى (لبن المسمار) تحوي كل العناصر التي يحتاجها جسم الطفل لتنشيط أعضاءه وتأهيله لمواجهة هذه الحياة، كما أنها تحوي تطعيمًا واقيًا لكل الأمراض التي يتعرض لها الطفل في هذه الفترة.
وهكذا يقوم الثدي بإمداد الوليد بما يحتاج إليه من عناصر غذائية وأمصال وقائية كلما تقدمت به السن، وليس هذا فقط بل إنه يجعل اللبن للطفل حارًا شتاءًا باردًا في الصيف، حتى لا يتعرض الطفل للنزلات المعوية والإصابات الصدرية التي يتعرض لها من يرضعون بالوسائل الصناعية، ويستغنون بها عن الرضاعة الطبيعية، والأعجب من هذا أن هناك جهازًا غير مرئي يتخاطب بلغة ربانية بين معمل الألبان في ثدي الأم وبين الطفل فعندما يحس الطفل بالجوع، تجد المعمل الرباني بالثدي وقد جهز الوجبة الكاملة والأم تترجم عن ذل قائلة: أشعر بأن اللبن كثير في ثديي، فقد طلبه الطفل بطريق غير مباشر فجهزه له الإله القادر.
كيف يلتقم الطفل حلمة ثدي الأم؟ وكيف يقوم بمص الثدي ليدر اللبن؟ ... إن ذلك كله يتم بإلهام مباشر من الله، ولذلك حتى بعد نمو أسنانه فإنه لا يؤذي الثديين بها؛ بينما ينزل اللبن معقما تعقيما كاملًا، مع مراعاة تدرج النمو للطفل فمثلًا عند ظهر أسنانه تجد نسبة الكالسيوم تزيد في اللبن لحاجة الأسنان إلى هذا العنصر في نموها.
ومن بديع صنع الله U أن الأم التي ترضع طفلها من ثديها يرجع رحمها إلى حالته العادية بإذن الله في وقت يسير حيث أثبت الطب الحديث أن هناك علاقة بين حركة مص الثديين للطفل وانقباض عضلات الرحم، أضف إلى ذلك أن الرضاع يحفظ نسبة كبيرة من الأمهات من الحمل أثناء رضاعها لطفلها، وقاية من الله U وعناية منه سبحانه وتعالى بالأم وطفلها.
تأثير الرضاع في الطباع
إن الأسرار الطبية والعلمية للرضاعة الطبيعية كثيرة جدًا لا نستطيع حصرها في هذا المختصر، ولكن القرآن الكريم يلفت نظرنا إلى أمر غريب يحدث للطفل الذي يرضع من ثدي أمه وهو أن الأم مع رضاعها لطفلها تعطيه حنانها وتمده بعطفها، وتوليه شفقتها، وتؤثر فيه برحمتها فيشب الطفل حليمًا لا يغضب بسرعة، ولذلك تجد الطفل الذي يرضع بالوسائل الصناعية سريع النرفذة، كثير الضجر، ملول، لأنه لم يرضع الحنان والعطف والشفقة من أمه وقد قال الحكماء في ذلك: إن الرضاع يغير الطباع، ومن أعجب ما روي في ذلك أن الإمام الحسن البصرى t وهو إمام التابعين في الزهد والورع والفقه إنما يرجع السبب في ذلك إلى مصَّةِ لبنٍ مصَّها من ثدي السيدة أم سلمة رضى الله عنها زوجة النبي!!
وتفصيل ذلك أن أمَّه كانت تخدمها، وكانت السيدة أم سلمة ترسلها في قضاء مصالحها وترقب طفلها حتى تحضر، فكان أحيانًا يبكي فكانت تعلله بوضعها لثديها في فمه؛ وإن كان ليس به لبن، لأنها كانت قد تجاوزت الثمانين. وشاءت إرادة الله U أن تحدث المعجزة!! ففي أحدى هذه المرات إذا بالثديي يمتلئ باللبن ويرضع منه الطفل حتى يشبع!! وقد أرجع العلماء سر علو شأنه في العلم والفقه والورع والزهد إلى هذه الرضعة.
وقد حدث أيضًا في عصرنا أن أسلم رجل نصراني على يد الإمام أبي العزائم t فسماه صهيبًا الرومي، ولأنه كان يجيد قيادة السيارات فقد جعله سائقه الخاص، وذات يوم قال له: (يا بُني زُرْ أُمَّكَ التي أرضعتْكَ لبنَ الإسلام). فتعجب من هذا الكلام، وذهب إلى أمه بالإسماعيليه وكانت قد هداها الله للإسلام وسألها عمن تكون المرأة التي أرضعته غيرها، فأخبرته أنها بعد ولادته مرضت مرضًا شديدًا وأجرت على أثره عملية جراحية، وقد منعها ذلك من إرضاعه لمدة ستة أشهر كاملة، فتولى إرضاعه في تلك الفترة جَارَةٌ لهم مسلمة ذكرتها له، فعلم علم اليقين أن تلك الرضاعة وذلك اللبن هما السبب في هدايته إلى التوحيد، وإصابته فطرة الله التي فطر الناس عليها.
لهذا كله أمرنا الله U أن نرضع الطفل من الأم، حتى أنه لو حدث شقاق بين الزوجين، وانفصلت الأم عن زوجها فإن الشريعة الإسلامية تلزم الأب أن يسلم الطفل إلى الأم لترضعه من ثديها ويدفع لها الأب تكاليف رضاعها، ويعطيها أيضًا أجرًا على إرضاعها لطفلها. إلا إذا رفضت الأم ذلك فعلى الأب أن يحضر للطفل امرأة أخرى ليرضع من ثديها أيضًا ويتحمل تكاليف ذلك، وإلى ذلك الإشارة بقول الله U :
 } وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ { [233- البقرة].
وتلك عناية لم يسمع بها الأولون ولا الآخرون نحو الطفل الرضيع وفي ذلك يقول العارف بالله تعالى الشيخ محمد على سلامة في كتابه ]خواطر إيمانية ص 12[: إن الأم ترضع الولد مع لبنها الرحمة والعطف والحنان والحب والوفاء والإخلاص والبر والود والإحسان ومعان كثيرة تتعلق بصفات الأم من الإيمان والشجاعة والثبات على المبدأ أو التفاني في سبيل الحق والواجب وحب الوطن وغير ذلك، ويظهر ذلك من قول الله تعالى:
} وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ { [7- القصص].
وما أحسن قول حافظ إبراهيم:
الأم  مدرسة إذا أعددتهـا     أعددت شعبًا طيب الإعراق
الأم روض إن تعهده الحيا      بالري أَوْرَقَ أيَّمــا  إيراق
الأم أستاذ الأساتذة الأولى     شغلت مآثرهم مدى  الآفاق
كراهة الحمل أثناء الرضــاع
والرضاع وقت الجماع
إن الإسلام بلغ أرقى ما وصلت إليه الحضارات قاطبة في عملية الرضاعة الطبيعية، ومن عجائب وصايا رسول الله r في هذه الناحية قوله:
{ ولا تقتلوا أولادكم سرًا فإن الغيل يدرك الفارس فيدعثره عن فرسه }[16]
والغيل هو أن تحمل الأم وهي ترضع، وقد نهى رسول الله r عن الحمل أثناء الرضاعة ـ والنهي هنا على سبيل الكراهة ـ حتى تأخذ الأم قسطها من الراحة بعد عناء الحمل والولادة، ويأخذ الرضيع حقه من الرعاية والعناية التى أوجبها الله U له، فالأم إذا حملت بتغير اللبن في صدرها فيضر رضيعها، وهذا بالإضافة إلى أنها لا تستطيع أن تغذي الجنين والرضيع في وقت واحد، فلا بد أن تتفرع لواحد منهما.
وفي ذلك يقول العارف بالله تعالى الشيخ محمد على سلامة ]في كتابه (خواطر إيمانية) ص 15[:
(ومعنى الحديث - والله أعلم - أن لا تأتوا الأمر المستتر بينكم - وهو الوطأ - أثناء إرضاع أولادكم فيتسبب عنه الحمل الذي يودي بحياة أولادكم. وهذا توجيه كريم من رسول الله r ، وتنبيه إلى أن مباشرة الزوجة أثناء رضاعها إغتيال لحق الطفل وهضم له، لأن في هذا هلاك له سرًّا أي بطريقة لا يعرفها أحد إلا الخاصة من الأطباء والعلماء بسنَّة النَّبيِّ r ، لأنه هو الطبيب الذي بعثه الله لعلاج الإنسانية، وحل مشاكل المجتمع في كل ناحية من نواحي الحياة. وهذا الحديث يعتبر من الإعجاز النبوي الذي يخبر عن دقائق العلوم التي كشف عنها الطب بعد طول الزمن مع ملاحظة أن الرسول r قال:
لا تقتلوا أولادكم سرًّا؛ كأن حمل المرأة أثناء إرضاعها الطفل قتلاً له).
وقد نبه الإسلام على أمر طبي عظيم، وهو ألا ترضع الأم طفلها بعد قيامها بمجهود جسماني أو عصبي كبير، فنهى الأم عن إرضاع طفلها بعد الجماع إلا بعد أن تغتسل، أو تغسل ثديها، لماذا؟.
لأن الدم يجري في جميع عروقها في تلك اللحظة، فربما ينزل اللبن مختلطًا بالدم فيمرض منه الطفل فتكون هي التي أمرضته، لأنها لم تلتزم بأحكام الله، وبأوامر سيدنا رسول الله r . وفي ذلك يقول الإمام أبو العزائم t ]في كتابه (أسرار القرآن) جـ2 ص52[:
(فإن نكاح الرجل زوجته وهي ترضع سبب في إمراض المولود إلا إذا إحتاط لنفسه فأمرها بالامتناع عن رضاع الولد حتى تطهر لأن هذا النكاح يجعل الدم يسري في الثديين، فإذا أرضع الولد عقب الجماع مباشرة تسمم!! وأكثر أمراض الأطفال من هذا العمل الجاهلي).
وقد أبدى الرسول الكريم صلوات ربي وسلامه عليه، إعجازًا في إدراكه لأسرار بكاء الطفل، وذلك حين أشار علينا بعدم التخوف من كثرة بكائه، لإخباره r فى معنى حديثه أن بكاء الطفل تسبيح، ولم يُكتشف هذا السرُّ إلا في العصر الحديث حيث يطالب الأطباء بترك الطفل الرضيع يبكي، وعدم التسرع في كفِّه إلا إذا زاد عن قدر الاعتدال، لأن ذلك البكاء يعمل على توسيع الصدر والرئتين، فسبحان الخلاق العليم، الذي قدر كل شئ خلقه ثم هدى.
رعاية الصبيان
فإذا شب الطفل ودرج يبدأ الوالدان في ترويضه على المبادئ الدينية، ليشب عليها، أنسًا بها، متعشقًا لها، وليعلما علم اليقين أن أول طريق يكتسب به الصبي القيم والآداب هو المحاكاة والتقليد وخاصة لوالديه لأنهما المثل الأعلى لناظريه في هذه المرحلة المبكرة وقد نبه إلى خطورة انتقاش ما يصدر عن الوالدين في أذهان الأولاد، وتقليدهم فيه، ونشأتهم عليه الرسول صلوات الله وسلامه عليه، وقد روى ذلك عبد الله بن عامر فقال:
 { دَعَتْنِي أُمِّي يَوْماً وَرَسُولُ الله r قاعِدٌ في بَيْتِنا، فقالَتْ هَا تَعَالَ أُعْطِيكَ، فَقالَ لَهَا رَسُولُ الله r: وَمَا أَرَدْتِ أَنْ تُعْطِيهِ؟ قالَتْ أُعْطِيهِ تَمْراً، فقالَ لَهَا رَسُولُ الله r: أُمَا إِنَّكِ لَوْ لَمْ تُعْطِهِ شَيْئاً كُتِبَتْ عَلَيْكَ كَذِبَةٌ }[17]
وتتركز رعاية الصبيان في هذه الفترة على الآداب والأخلاق، وقد أشارالغزالي في كتابه (إحياء علوم الدين) إلى نموذج من رياضة الصبيان منها:
عدم لبس الملابس التي توحي بالأنوثة والنعومة، ومقاطعة من يلبسونها، والاجتهاد في تعليم الصبي حكايات الأخيار ليغرس في نفسه حبهم والاقتداء بهم، وعدم تعويده النوم في الفراش الوثير حتى لا يألف النعومة، وأن يعوده الأخلاق الاجتماعية، بعدم الفخر على أقرانه بما يملكه والده، أو بشئ من مطاعمه وملابسه، وأن يعف عما في يد غيره من الأغنياء أو الفقراء، كما يعوده الصدق وعدم الحلف، وأن يحسن الاستماع ولا يبدأ الكلام إن كان معه من هو أكبر منه، وأن يصون لسانه عن اللغو والسب، ولا يخالط من يفعلون ذلك.
وينبه الشيخ عطية صقر ]في كتابه (تربية الأولاد في الإسلام) ص 311[ إلى خطورة هذه المرحلة فيقول:
(وليحذر المُربِّي أبًا أو أمًا أو معلمًا أن يلقن النشء معلومات خطأ، أو تسليتهم بحكايات خرافية، وليبعد كل البعد عن القصص الغريب الذي يروع الطفل، أو يضلله، أو يشوه أفكاره. كما يجب أن تنبه الأم على الخصوص إلى خطر الأغاني التي ترقص بها الطفل وتدللـه، فإن سمعه إذا تعودها حفظها، والمعلومات التي تحويها ترسخ في ذهنه ويصعب انتزاعها، وهو يتصرف على هديها إن عاجلا أو آجلا. وخطر الإذاعات المسموعة والمرئية في هذا المجال كبير، فلنجتهد أن تكون الأغاني والأناشيد حاملة معاني الرجولة والبطولة والعفة والأمانة والإخلاص والوفاء وطاعة الوالدين وحب الوطن وسائر الأخلاق الحميدة)
تهذيب الصبي
ومع مراقبة الوالدين الفاحصة أوصى الإمام الغزالي الأب أو المربي :
-          أن يتجاوز عن أو مخالفة يحدثها الصبي، فلا يهتك ستره ولا يكاشفه، ولا سيما إذا سترها واجتهد في إخفائها، لأن إظهار ذلك عليه ربما يزيده جسارة حتى لا يبالي بالمكاشفة، وإن عاد ثانية عوتب سرًا، ويهدده بالعقاب إن تكررت مخالفته.
-                        وألا يكثر عليه من اللوم في كل حين، فإنه يهون عليه سماع الملامة، وركوب القبائح، ويسقط وقع الكلام في قلبه.
-          وأن يكون الأب حافظًا هيبة الكلام معه ولا يوبخه إلا أحيانًا، كما يوصي بأن تكون المؤاخذة بالتعريض لا بالتصريح حتى لا يجرح إحساسه ويغريه بالعناد.
فإذا لم يفد ذلك صرح بالإنكار وعاقب بما يراه وهذا مأخوذ من هدي النبي r ، فإنه كان إذا راى تقصيرًا من بعضهم نبه عليه بالعنوان العام، أو بعدم تحديد الشخص الذي وقعت منه المخالفة، فقد قال رسول الله r :
(ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم)[18].
وفي رواية أبي داوود عن عائشة:
 ( كان رسول الله r إذا كره من إنسان شيئاً قال: ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا).
نصيحة لقمان لإبنه
ونسوق هنا نصيحة لقمان الحكيم الجامعة لولده حيث يقول له:
يا بني خذ عني هذه الخصال الثمان:
الأولى: إذا كنت في الصلاة فاحفظ قلبك.
الثانية: إذا كنت بين الناس فاحفظ لسانك.
الثالثة: إذا كنت في نعمة فاحفظها بالشكر والأدب.
الرابعة: إذا كنت في دار غيرك فاحفظ عينيك.
الخامسة: كن ذاكرًا لله الخالق الحي الذي لا يموت.
السادسة: كن ذاكرًا للموت لأنه كأس يشربه الجميع.
السابعة: كن ناسيًا إحسانك إلى الآخرين.
الثامنة: كن ناسيًا إساءات الآخرين إليك.
(يا بني لا تذكر آلامك للآخرين فأغلبهم لا يهتم بها، اعتبر بمن مضى قبلك، ولا تكن عبرة لمن يأتي بعدك، صل من قطعك، وأحسن إلى من أساء إليك، وقل الحق ولو على نفسك. العظيم من يبتسم عندما تكون دموعه على وشك الانهيار)[19].
تدليل الصبي
يحث الإسلام على تدليل الطفل بأنواع التدليل المختلفة المقبولة، لإيناسه وربط قلبه بمن حوله، ويرغب الكبير أن يتنزل إلى درجة ملاعبة الأطفال ليكون معهم بقلبه وعواطفه وتصرفاته بعض الوقت وقد روي أن جبلة بن سحيم دخل على معاوية بن أبي سفيان وهو في الخلافة، فرأى في عنقه حبل يقوده به صبي له، فظهر على وجهه الاستنكار، فلما رأى معاوية ذلك قل له: يا لكع إني سمعت رسول الله r يقول:
{ مَنْ كَانَ لَهُ صَبِيُّ فَلْيَتَصَابَ لَهُ }[20].
وكان النبي r يُدَلِّلُ الحسن والحسين وأسامة بن زيد فقد روى البخاري عن أسامة قوله:
{ كان رسول الله r يأخذني فيقعدني على فخذه، ويقعد الحسن على الأخرى }، وروىأحمد عن عائشة:
{ أن أسامة عثر بعتبة الباب فدمي. قال: فجعل النبيّ r يمصُّه ( وفى رواية ثم يمجُّه)، ويقول: لَوْ كَانَ أُسامَةُ جارِيَةً لَحَلَّيْتُها وَلَكَسَوْتُها حَتَّى أُنْفِقَها }
وروي عنه r أنه بينما كان يصلي بالناس إذ جاء الحسين فركب عنقه وهو ساجد فأطال السجود حتى ظنَّ الناس أنه حدث أمر، فلما قضى صلاته؛ قالوا: لم أطلت السجود يا رسول الله حتى ظننا أمراً حدث! فقال:
{ إنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي فَكَرِهْتُ أَنْ أُعَجِّلَهُ حَتَّى يَقْضِي حَاجَتَهُ }[21]
هذا هو الأدب النبوي الذي يعلمه لنا رسول الله r وهو في الصلاة، ولذلك فقد تعلق به r الصبيان، وكانوا يتلمسون موضعه، فقد ذهب إليه الحسن في ليلة شاتية والجو مظلم، وبعد أن أخذ حظه هم بالذهاب إلى أمه، فاستأذن رجل من أصحابه r في مصاحبته فقال r : دعه فإذا بمصباح من نور يضئ أمامه وهو يمشي خلفه حتى وصل إلى أمه وقد كان عمره إذ ذاك ثلاث سنوات.
وأيضا كان r يخطب على منبره وإذا بالحسن يدخل المسجد ويتوجه إلى رسول الله r ، وهو يقول أبي أبي فنزل r من فوق منبره واحتضنه وقبله ثم حمله وصعد المنبر وأكمل خطبته وهو يحمله. ليعلمنا الرحمة والشفقة والعطف والحنان r.
ولذلك لما جاء أحد الأعراب القساة ورآه r يقبل الحسن فقال: أتقبلون الصبيان يا رسول الله، إن لي عشرة من الولد ما قبلت أحدًا منهم، فقال له النبي r:
{ من لا يرحم لا يرحم }[22]. وفي رواية: { أو أملك أن نزع الله من قلبك الرحمة }
وإن كان هنا أدبٌ عالٍ يجب أن نشير إليه، وهو أن السيدة فاطمة t كانت تحرص على طهارة أولادها الحسن والحسين، لعلمها بشدة تعلُّقهم برسول الله rحرصًا منها على دوام طهارة ثيابه.
والحق أن هذه الملاطفة تهب الطفل دفئاً وحناناً يظهر أثرهما على صحته، وتعلُّقه بوالديه ومحبَّته لهما. ويصف ذلك الأحنف بن قيس حين سأله معاوية عن رأيه في الولد فقال:  (ثمار قلوبنا، وعماد ظهورنا، ونحن لهم أرض ذليلة، وسماء ظليلة، وبهم نصول على كل جليلة، فإن طلبوا فاعطهم، وإن غضبوا فارضهم، يمنحوك ودَّهم، ويَحْبُوك جهدهم، ولا تكن عليهم ثقلاً ثقيلاً فيملوا حياتك، ويحبُّوا وفاتك، ويكرهوا قربك) [23]
على أن يحرص الوالدين على ألا يصل التدليل بالطفل إلى الفساد والإنحلال فالأمر كما قال القائل:
قَسَى لِيَزْدَجِرُوا وَمَنْ يَكُ حَازِماً     فَلْيَقْسُ أَحْيَاناً عَلَى مَنْ يَرْحَمِ
فالوسط هو المحمود في كل شئ، فلا بد مع اللين والرحمة من  شئ من الشدة إذا لزم الأمر وذلك يقتضي من الوالدين مراقبة الطفل بدقة في كل تصرفاته لتقديم التوجيهات المناسبة في الوقت المناسب، لأن الإهمال يغري الطفل بالتهاون، والنفس تميل إلى الراحة والإنطلاق من القيود، والغرائز عند الناشئين قوية، والمقاومة العقليه ضعيفة عندهم.
ولذلك فالرسول r، مع شدة رحمته بالأولاد عندما التقط الحسين تمرة من الصدقة ولاكها فى فمه قال له: كخ كخ ليطرحها، وأخذها منه وأبعدها[24]، وفيما روى: أيضاً من السنة المطهرة
{ قدمت على أهلي ليلاً وقد تشققت يداي. فخلقوني بزعفران، فقابلت الرسول r صباحًا فسلمت عليه فلم يرد السلام ولم يرحب بي. وقال: اذهب واغسل عنك هذا؛ فغسلته ثم جئته فسلمت عليه فَرَدَّ عليَّ ورحَّبَ بِي } [25]
وقد جاء في وصية الرشيد لمؤدب ولده: (ولا تمعن في مسامحته فيستحلى الفراغ ويألفه، وَقَوِّمْهُ بالتقريب والملاينة فإن أبى فالشدة).
وهكذا فالطريق في رياضة الصبيان والاهتمام بتربيتهم من أهم الواجبات وأعظمها شأناً وأروعها قدراً وأثراً، لأن تربية الطفل أهم شئ في هذه الحياة، وأكبر دعامة في بناء الأجيال، ومستقبل الآمال، وقيام مجتمع صالح تعتمد عليه الروحانية الإسلامية، وتقوم به الأخلاق الحسنة.
والصبي أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة في يديهما قابل لكل نقش، مائل لكل صورة فإن عودته الخير وعلمه نشأ عليسه وتربى خير تربية يسعد بها في الدنيا والآخرة وشاركه في ثوابه أبواه وكل من اشترك في تلقينه الفضيلة وتوجيهه إلى هذه الناحية من نواحي الحياة الدينية والسعادة الروحية، وإن عودته الشر وتركته فيه وأهملته في مراتع السوء ومزالق الشرور شقي وهلك وكان الوزر في عنق القيّم عليه والمتولي أمره.
فينبغي أن تعوِّد الطفل على الفضيلة، وتربيه على محاسن الأخلاق وجميل الصفات، ولا تتسامح معه في ترك الصلاة والصيام وسواهما من الواجبات الشرعية، ولا تدعه يتخبط مع الصبيان في ميادين اللهو واللعب، ونوادي الفحشاء والمنكر وغيره من رذائل الأخلاق حتى يبلغ وتتمتع سنه بالحكمة والعقل.
ومن الأمثلة الطيبة في هذا المجال ما يرويه سهل بن عبد الله عن نفسه حيث يقول: كنت وأنا ابن ثلاث سنين أقوم بالليل فأنظر إلى صلاة خالي محمد بن سوار فقال لي يومًا ألا تذكر الذي خلقك؟ فقلت: وكيف أذكره؟ قال: قل بقلبك عند تقلبك في ثيابك ثلاث مرات من غير أن تحرك به لسانك: " الله معي، الله ناظر إليّ، الله شاهد عليّ "
فقلت ذلك ليالي ثم أعلمته فقال: قل في كل ليلة سبع مرات، فقلت ذلك ثم أعلمته فقال: قل ذلك في كل ليلة إحدى عشر مرة، فقلته فوقع في قلبي حلاوته، فلما كان بعد سنة قال لي خالي: إحفظ ما علمتك ودُمْ عليه إلى أن تدخل القبر، فإنه ينفعك في الدنيا والآخرة.
فلم أزل على ذلك سنين فوجدت لذلك حلاوة في سري، ثم قال لي خالي يومًا: يا سهل من كان الله معه وناظر إليه وشاهده أيعصيه؟ إياك والمعصية. فكنت أخلو بنفسي، فبعثوا بي إلى المكتب فتعلَّمتُ القرآن وحفظته وأنا ابن ست سنين، وكنت أصوم الدهر، وكنت أقوم الليل كله.[26]، فتعود الطفل على الأخلاق الفاضلة وطاعة الله تعالى تكسب سعادة الدنيا والآخرة.
تقويم الصبي
إن منهج التربية الإسلامية يربي الناس على الخوف مما ينبغي أن يخافوه، والتعلق بما ينبغي أن يتعلقوا به، وينفي عن القلب البشري الخوف مما لا ينبغي أن يخاف، والتعلق بما لا ينبغي التعلق به.
يربيهم على الخشية والتقوى لله، والخوف من عذاب الله وغضبه المؤدي إلى العذاب، وعدم الخوف من شئ أو على شئ آخر. ويربيهم على التعلق بالله، وطلب العون منه وحده لا من أحد من خلقه، والتعلق بالآخرة ونعيمها، ورضوان الله المؤدي إلى النعيم، وعدم التعلق بما يشغل الإنسان عن هذا الأمرن ومن النماذج الطيبة في ذلك ما روي:
{ أنَّ عمر بن الخطاب t مرَّ على مجموعة من الصبيان، فلما رأوه جَرُوا جميعًا ما عدا عبد الله بن الزبير، فسأله عمر: لِمَ لَمْ تفعل كما فعل بقية الصبيان؟!! فأجابه: لم أفعل شيئًا يستحق العقوبة فأخاف منك، ولم يكن الطريق ضيقًا فأوسعه لك }
ومن هنا تكون التربية بالمثوبة والتربية بالعقوبة وسيلتين أساسيتين من وسائل التربية للإنسان ـ كل إنسان ـ والطفل أولى بطبيعة الحال.
ففي المرحلة الأولى تكون عملية التشجيع للطفل ضرورية دائمًا، لأن الأعمال التدريبية التي يقوم بها ليستكمل نموه كالمشي والوقوف والكلام شاقة ومجهده، ولا بد من حفزه عليها حفزًا لكي لا يتوقف نموه.
والتشجيع قد يكون بابتسامة، أو بقبلة حانية من الأم أو الأب، أو بتربيته على جسمه أو بإحداث ضجة كبيرة حول الطفل يشعر فيها بالاهتمام الشديد به وبجو المودة حوله، أو بلعبة تعطى له كمكافأة على الجهد الذي بذله، أو بشئ من الحلوى والطعام، أو بأي شئ مما يعرف الوالدان من دراستهما لطفلهما أنه محبب إليه ومن ثم فهو مشجع له.

التقويم بالعقوبة
أما العادات السيئة التي يتعرض لها الطفل، وهي كثيرة فلا بد من إبطالها ولو كا في ذلك مشقة على الطفل وعلى والديه كذلك، والخوف من إزعاج الطفل أو مضايقته بمنعه عن عاداته السيئة المحببة إليه، أو الخوف عليه من تأثير عملية الزجر على مشاعره وأعصابه، معناه  أننا سنتركه لعاداته السيئة تلك، تستفحل وتستعصي على العلاج فيما بعد، أو تترك آثارًا مفسدة في شخصيته في المستقبل.
ويرد الأستاذ محمد قطب ]في كتابه (منهج التربية الإسلامية) جـ2 ص 139[ على الدعاوي التي سببتها النظريات التربوية الحديثة التي تعتمد على التربية بالمثوبة وحدها دون التربية بالعقوبة فيقول:
(ولكن التشجيع وحده قد لا يكفي، ولا شغله عن العادات السيئة بأخرى، إذ تكون العادة السيئة أشد تأصلًا في نفسه، أو يكون هو أشد تعلقًا بها بحيث لا يلهيه شغله عنها ولا تشجيعه على تركها، عنندئذ لنا عندنا خيار عن صرفه عنها بالزجر اللين في بادئ الأمر، ثم الحاسم في نهاية الأمر، ولو أدى ذالك إلى استخدام العقوبة البدنية في نهاية المطاف، ذلك أنه من المحتم – لصالحه هو نفسه – أن يكف عن هذه العادات السيئة، ولا بد من الوصول إلى إبطالها بأي وسيلة، فإذا لم تجد الوسائل اللينة كلها فما العمل إلا استخدام وسيلة خشنة؟!.ولا خوف على الطفل من العُقَدِ ولا الكَبْتِ ولا ضمور الشخصية ولا شئ مما تلوكه النظريات المريبة كلها ما دام الزجر أو العقاب لا يتجاوز الحد المعقول. والحد المعقول تحدده حكمة المربي وخبرته، وتقرره كذلك طبيعة الطفل ذاته).
ثم إن التشجيع الذي تريد تلك النظريات المريبة أن تجعله هو الوسيلة الوحيدة للتربية، ليس سلاحًا مأمونا في كل حالة ولأي مدى من الزمن بلا حدود بل إن له مخاطر، وينبغي الكف عنه بمجرد أن تظهر هذه المخاطر.
وأكبر المخاطر فيه أن يتحول عند الطفل إلى شرط للقيام بالعمل المطلوب أو الكف عن العمل غير المرغوب، أي أنه يمتنع عن الإتيان بالعمل إذا لم يجد حافزًا عليه، أو يمتنع عن الكف عن عمل سيئ حتى يقبض الثمن للكف. هنا تصبح المثوبة شرًا خالصًا لا خير فيها، لأنها تعوق الإحساس "بالواجب"، الواجب الذي ينبغي أن يعمل لأنه واجب في ذاته لا لأنه هناك أجر عليه. وهذا تعويق للنمو النفسي، وإفساد كذلك للشخصية).
وهكذا فينبغي أن ننتقل بالتشجيع درجة درجة مع مراحل النمو العقلي والنفسي للطفل حتى ينتهي إلى أعلى درجاته، وهى العمل ـ أو الكف عن العمل ـ إبتغاء مرضاة الله، ودرجات التشجيع: ..
-   في البداية تكون الحلوى أو اللعبة أو النقود أداة التشجيع.
-   ثم يرتقي التشجيع درجة فيصبح: من أجل أن تحبَّك أمك أو أن يحبَّك أبوك.
-  ثم يرتقي درجة أخرى فيصبح: من أجل أن تكون ولدًا طيبًا (أو بنتًا طيبة) ويحبَّك أبوك وأمك ويقول الناس إنك طيب.
-   ثم يرتقي إلى درجته العليا فيصبح: من أجل أن تكون طيبًا ويحبَّك الله ويرضى عنك ... وعلى هذه الصورة ينبغي أن يظل حتى يلقى الله.
أما العقوبة فلا نلجأ إليها ابتداءًا، إنما نبدأ بالتشجيع، ولا نلجأ إليها أبدًا إلا حين يفشل التشجيع أو يبدأ يدخل في الدائرة الضارة، حين يصبح شرطًا مشروطًا لا يتم العمل أو الكف عن العمل إلا به، والعقوبة درجات:
-                        تبدأ من الكف عن التشجيع ( وهذه في ذاتها عقوبة لمن كان يتلقى التشجيع من قبل).
-                        إلى الإعراض المؤقت وإعلان عدم الرضا.
-                        إلى العبوس والتقطيب والزجر بصوت غاضب.
-                        إلى المخاصمة الطويلة والمقاطعة (أو التهديد بها).
-                        إلى الحرمان من الأشياء المحببة إلى الطفل (أو التهديد به).
-                        إلى التهديد بالإيذاء.
-                        إلى الضرب الخفيف.
-                        إلى الضرب الموجع وتلك أقصى الدرجات.
ولا ينبغي تخطي ذلك التدرج، والبدء بالنهاية، وهي الضرب سواء كان خفيفًا أو موجعًا حتى لا يتعود الجسم على الأذى فلا يعود يتأثر به كثيرًا، وعندئذ نكون قد فقدنا كل وسائلنا الفعالة دفعة واحدة! لأن من يتبلد حسُّه على الضرب – وهو أقسى العقوبات – لا يزجره ولا يؤثر فيه وَجْهٌ عابس ولا صوتٌ غاضب ولا حرمانٌ ولا تهديدٌ بحرمان. وعندئذ ماذا نفعل؟!! وهذا خطر الإسراف في العقوبة، والضرب بصفة خاصة.
إن العقوبة تظل شيئًا مرهوبا قبل تنفيذه، ثم يكون لها وقعها الكامل في أول مرة تنفذ، ولكن إن تكررت في المدى القريب تظل تفقد شيئا من تأثيرها كل مرة، حتى يعتادها الحس وتصبح بغير تأثير، ومن ثم تصبح بغير فائدة.
ولذا فينبغي أن يستهدف المربي الإصلاح الحقيقي ويبحث عن الوسائل الفعالة الموصلة إليه، ويكف عن الوسيلة إذا ونجد أنها لا تؤدي إلى الإصلاح المنشود، أو وجد أنها – بدلاً من أن تصلح – تزيد الفساد.


الفصل الثال
تنشئة الطفل المسلم
أولا: الإعداد البدني
وسائل إعداد الفرد بدنيًا
·    الرعاية الصحية
·    أكل الطيبات
·    الرياضة البدنية
 ثانيا: الإعداد العقلي
·    التعليم
·    التأمل والتفكير
ثالثا: الإعداد الروحي
·    العناية بالفضائل
·    القدوة الطيبة
·    التدريب على العبادات
·    الآداب الإسلامية


الفصل الثالث
تنشئة الطفل المسلم
قسَّم الإسلام مراحل تربية الأولاد إلى ثلاثة مراحل:
1.من لحظة ميلاده إلى سن السابعة (الطفولة).
2.من سن السابعة إلى سن الرابعة عشر (الصبوة).
3.من سن الرابعة عشر إلى سن الإحدى والعشرين (الشباب).
وذلك في الأثر الوارد عن الإمام علي t والذي يقول فيه:
{ لاعبه سبعاً، وأدبه سبعاً، وصاحبه سبعاً }[31]
وقد تحدثنا عن المرحلة الأولى في الفصلين السابقين وسنتحدث في هذا الفصل عن المرحلة الثانية والتى تبدأ من سن السابعة إى وقت البلوغ. وطريقة الإسلام في معالجة هذه المرحلة وما بعدها هي المعالجة الشاملة لكل الدوافع والغرائز التي تسيطر على حواس الإنسان، وتنمية كل القوى المدركة في باطن الإنسان ويشمل ذلك إعداد الطفل بدنيًا وعقليا وروحيًا، حتى يكون عضواً نافعاً لنفسه ولأمته.
وقد أفرد الإمام الغزالي لهذه الحقوق، جزءاً خاصاً قدم له بواجب الآباء والمربين في توجيه أبنائهم لتحسين أخلاقهم فقال: (اعلم أن الطريق في رياضة الصبيان من أهم الأمور وأوكدها، والصبي أمانة عن والديه، وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجه خالية عن كل نقش وصورة، وهو قابل لكل ما نقش، ومائل إلى كل ما يمال به إليه، فإن عُوِدَ الخير وعلمه نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة، وشاركه في ثوابه أبوه وكل معلم له ومؤدب، وإن عود الشر وأهمل إهمال البهائم شقي وهلك، وكان الوزر في رقبه عليه والوالي له، وقد قال الله U :
 } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا { (11- التحريم).
ومهما كان الأب يصونه عن نار الدنيا فبأن يصونه عن نار الآخرة أولى، وصيانته بأن يؤدبه ويهذبه ويعلمه محاسن الأخلاق ويحفظه من قرناء السوء، وأوجب أن تكون التربية من أول مراحل الصبي ونشأته وهي مرحلة الولادة والرضاعة بألا تستعمل في حضانته وإرضاعه إلا امرأة متدينه تأكل الحلال: (فإن اللبن الحاصل من الحرام لا بركة فيه، فإذا وقع عليه نشوء الصبي انعجنت طينته من الخبيث فيميل طبعه إلى ما يناسب الخبائث)[32].
أولا: الإعداد البدني
ويقصد به تهيئة الطفل ليكون سليم الجسم، قوي البنية، قادرًا على مواجهة الصعاب التي تعترضه، بعيدًا عن الأمراض والعلل التي تشل حركته، وتعطل شأنه.
والإسلام وهو يحترم الطاقة الجسمية احترامًا كاملًا، لا يتركها على حالها، ولا يطلق لها العنان! إنه ينظمها ويضبط منصرفاتها، لأنها ـ هكذا بطبيعتها- إذا تركت وشأنها لا تقف عند حد، وتدمر الكيان، فليس هم الحياة ـ كما فطرها الله ـ مجرد أداء المطالب البيولو جية، فحفظ الحياة على وجه الأرض ليس هو كل هدف الحياة! بلهدفها حفظها وترقيتها على الدوام، ولذلك لا يترك الإسلام الإنسان لشهواته تستعبده وتجرفه إلى حيث لا يملك لنفسه القياد بل يضبطها ويهذبها وينطفها ولكنه لا يكبتها.
فمنهج الإسلام في تربية النفس أنه لا يكبت رغائبها فيقتل حيوتها، ويبدد طاقتها، ويشتت كيانها، فلا تعمل ولا تنتج ولا تصلح لعمارة الأرض وترقيَّة الحياة، وفي الوقت ذاته لا يطلق رغائبها بلا ضوابط، لأن ذلك يبدد طاقتها من جانب آخر، يبددها في نشاط الحيوان وعلى مستوى الحيوان، ووسيلته إلى ذلك - كما قلنا - هي الضبط.
إنه يعمل على تربية القوة الضابطة وتنميتها منذ نعومة الأظفار وذلك بربط القلب البشري بالله، وخشيته وتقواه، ومراقبته في كل عمل وكل شعور وكل فكر، والتطلع إلى عطفه ورضاه، وكذلك يربط القلب باليوم الآخر، ثم هو دائم التذكير بأن هذه الشهوات ليست غاية في ذاتها، يستغرق الإنسان في طلبها والانكباب عليها، وإنما هي وسائل إلى غايات أخرى أرفع منها وأولى بالالتفات، وخذوا أمثلة على ذلك ....
فالطعام وسيلة لحفظ الأود:
{ ما ملأ آدمي وعاء شرًا من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه } [33]
والجنس وسيلة لانتشار النوع:
 } يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء { [1 النساء].
ووسيلة كذلك للسكن والراحة لا للسعار والفتنة:
 }وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً { [21- الروم].
والمال وسيلة لإقامة الجماعة:
 }وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً{ [5- النساء].
وطاقة القتال لجهاد الشَّرِّ في الأرض:
 } يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ { [73- التوبة].
ولضمان الحياة ضد الإعتداء:
 } وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ { [179- البقرة].
وهو يبعث النشاط الحيوي في إتجاهات شتى، تشمل كل كيان الإنسان، فلا تتدفق الطاقة الحيوية كلها في جانب واحد، جانب الجنس أو المال أو الطعام ... إلخ، بل يبعث النشاط في العلم والعمل، والتجارة والصناعة والزراعة، والفتح والغزو، وعمارة الأرض وإقامة الدولة وتنظيمها، وسياستها ومراقبة الأمور في المجتمع، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي كلها أمور تستغرق النشاط الإنساني وتوزعه، وتوسع مساحته، فلا يتكتل في بقعة واحدة ويترك بقية الجوانب خواء.
وسائل إعداد الفرد بدنياً
والوسائل التي وضعها الإسلام لجعل الفرد صحيح البدن، بعيداً عن الأسقام والعلل، والتي يجب على المربي أن يأخذ بها في التربية تتلخص فيما يلي:
- الرعاية الصحية:
فيحرص على نظافة البدن والثوب والمكان، إذ أن النظافة ركن من أركان الصحة ودعامة من دعائمها، وأبلغ دليل على ذلك أن العبادات الإسلامية تقوم على الطهارة والنظافة وتجعل الطهارة شرطاً لصحة الدخول في العبادة وتفسد عند عدمها.
وقد مرَّ بك أن الإسلام راعى هذه الناحية في الجنين قبل أن يولد، ونبَّه إلى خطر إرضاع الطفل الغيل - وهو لبن الحامل - لتأثيره السيئ على صحته.
والعناية بنظافة الطفل من أهم ما يساعد على حفظ صحته من الأمراض، وعلى تقوية جسمه، وقد ورد عن عائشة أنها قالت:
{ أمرني رسول الله rمرة أن أَغْسِلَ وجه أسامة بن زيد وهو صغير، وما ولدت ولا أعرف كيف أغسل وجه الصبيان، فأخذته فغسلته غسلاً ليس بذاك، فأخذه رسول الله r فغسل وجهه، وقال له: لو كُنْتَ جارية لحلَّيْتُكَ وأعطيتك وكسوتك} ( روى الشعراني في كشف الغمة عن عائشة).
والنبي r نَهَى عن ترك الصبيان يسيرون في الأماكن الموحشة، والأوقات التي يظن فيه الخطر عليهم، فقدقال:
{ إذا كان جنح الليل أو أمسيتم فكفوا صبيانكم، فإن الشيطان ينتشر حينئذ، فإذا ذهب ساعة من الليل فخلوهم }[34]
وأمر الإسلام بتحصين الأطفال بالأمصال المعروفة لوقايتهم من الأمراض المعدية، نزولاً على عموم قوله تعالى:
 } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ { [71- النساء]. وقوله:
} وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ { [195- البقرة].
وكما أمر الإسلام بتحصين الأطفال، أمر بعلاجهم من الأمراض التي تصيبهم بالطرق الصحيحة المعروفة لأهل الطب والخبرة، والتي يقرها الدين، وحذر من التهاون في العلاج أو من عدم المبادرة إليه، وذلك في قوله r:
{ يا عباد الله تداووا فإن الله لم ينزل داءاً إلاَّ أنزل له شفاءاً، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَه، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَه }[35]
وحذر الإسلام كذلك من الإلتجاء إلى الطرق غير الصحيحة وغير المشروعة، التي تقوم غالباً على الخرافات والشعوذة، وذلك كتعليق التمائم والأحجبة غير المشروعة والودع. وفي ذلك يقول r :
{ مَنْ عَلَّقَ تميمة فلا أتم الله له، ومن عَلَّقَ ودعة فلا أودع الله له } ، وفي رواية عائشة:.
{ من علق تميمة فقد أشرك }[36]
أما الإلتجاء إلى الله U بالدعاء، أو التوسل إليه سبحانه بالقرآن وما أُثِرَ عن النبي r ، وبالعمل الصالح، والجمع بينه بين العلاج المادي، فهذا أقرب للشفاء، فقد ورد في الصحيحين عن عائشة:
} أمر النَّبيُّ r أن نسترقي من العين)، وفى الحديث:
{ سََمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللّهِ يَقُولُ لَدَغَتْ رَجُلاً مِنَّا عَقْرَبٌ. وَنَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ رَسُولِ اللّهِ . فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللّهِ أَرْقِي؟ قَالَ: مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ }[37]
وورد في الصحيحين حكاية عن سيِّدِ الحيِّ الذي لُدغ ورقاه المسلمون بفاتحة الكتاب، وأخذوا على ذلك أجرًا، وأقرهم النبي r عليه .
وقد أورد ابن القيم ]في زاد المعاد جـ3 ص118[:
 أنَّ جبريل رَقَى النَّبِيَّ r فقال: (باسم الله أرقيك من كل داء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك، باسم الله أرقيك).
ومن الرُّقَى المشروعة: الإكثار من قراءة المعوذتين وفاتحة الكتاب وآية الكرسي، وما أثر عن الرسول r . مثل:
 (أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة)، ومثل: (أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بَرٌّ ولا فاجر، من شرِّ ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شرِّ ما ينزل من السماء ومن شرِّ ما يعرج فيها، ومن شرِّ ما ذرأ في الأرض ومن شرِّ ما يخرج منها، ومن شرِّ فتن الليل والنهار، ومن شرِّ طوارق الليل والنهار إلا طارقاً يطرق بخيرٍ يا رحمن).
وقد قال ابن حجر عن الرقية ]في فتح الباري[: أجمع العلماء على جواز الرقية عند اجتماع ثلاثة شروط: أن تكون بكلام الله أو بأسمائه أو بصفاته، وباللسان العربي، أو بما يعرف معناه من غيره، وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بتقدير الله U .
- أكل الطيبات:
أمر الإسلام برعاية الأبناء، ورغَّب الآباء في الإنفاق عليهم، وجعل فَضْلَ الإنفاق كبيراً، وثوابه عظيماً، وذلك في قول النبي r:
{ دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك }[38]
وقد حذر الإسلام من إهمال هذه الرعاية في قوله r:
(وإن الله سائل كل راع عما استرعاه حفظ أم ضيع، حتى يسأل الرجل عن أهل بيته)[39]. ويقول:
 (كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت)[40]، وراه مسلم بلفظ: (كفى بالمرء إثمًا أن يحبس عمن يملك قوته).
ويقول شوقي:
ليس اليتيم من انتهى  أبواه  من     هذي الحياة وخلَّفاه ذليلاً
إن اليتيم هو الذي تلقى لــه     أمًّا تَخَلَّتْ أَوْ أَباً مَشْغُولاً
وقد حرص الإسلام في ذلك أن يُعَوِّدَ الأبُ الطفلَ الأكلَ من الطيبات التي تُغَذِي البدن وتقويه، مع البعد عن المحرمات، وكذلك الإسراف، اللذان يضران الجسم ويعرضانه لكثير من الأمراض، وذلك في قوله تعالى:
} وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ { [31- الأعراف].
ويرشدنا الغزالي إلى ذلك بقوله ]في إحياء علوم الدين ج 3 ص72[:
(وأول ما يغلب عليه من الصفات شَرَهُ الطعام، فينبغي أن يؤدَّب فيه، مثل أن لا يأخذ الطعام إلا بيمينه، وأن يقول: (بسم الله) عند أخذه، وأن يأكل مما يليه، وأن لا يسرع في الأكل، وأن يجيد المضغ، وأن لا يوالي بين اللقم، ولا يلطخ يده ولا ثوبه)، وقد فصلنا ذلك الموضوع في كتابنا: ]مائدة المسلم بين الدين والعلم[.
- الرياضة البدنية:
وقد أولاها الإسلام عناية كبيرة، لأنه يريد للنشء أن يكون قويًا في جسمه كما يكون قويًا في عقله وخلقه وروحه، ففي الحديث الشريف:
(المؤمن القوي خير وأحب إلي الله من المؤمن الضعيف)[41].
وقد ذكر ابن القيم ]في (زاد المعاد)[ بعض فوائد الرياضة فقال:
(إن الحركة هي عماد الرياضة، وهي تخلص الجسم من الرواسب والفضلات بشكل طبيعي، وتعوِّد البدن الخفة والنشاط، وتجعله قابلاً للغذاء، وتصلب المفاصل، وتقوي الأوتار والرباطات، وتؤمن جميع الأمراض المادية وأكثر الأمراض المزاجية، إذا استعمل القدر المعتدل منها في دقة، وكان يأتي التدبير صواباً).
ولا ننسى في هذا المقام حاجة الولد إلى اللعب والترويح عن النفس، حتى لا يحدث عنده ملل ولا ضجر ولا تبرم، وقد ورد في الأثر:
 (رَوِّحُوا عَنْ النِّفُوسِ سَاعَةً بَعْدَ سَاعَة، فَإِنَّ النَّفْسَ إذا كَلَّتْ مَلَّتْ، وإذا مَلَّتْ عَمِيَتْ).
ولنستمع إلى الإمام الغزالي وهو يوصي المربين بذلك ]في إحيائه[ فيقول: (ينبغي أن يؤذن للصبي بعد الانصراف من الكُتَّاب أن يلعب لعباً جميلاً يستريح فيه من تعب المكتب، بحيث لا يتعب في اللعب، فإن منع الصبي من اللعب وإرهاقه بالتعلم دائمًا ضارٌّ بمستقبله ويُبْطِلُ زكاؤه، ويمغِّص عليه العيش حتى يطلب الحيله في الخلاص من الكُتاب رأساً). وما أشار إليه الغزالي بالكُتاب هو ما يساوي المدرسة في عصرنا.
ومما يدل على عناية الإسلام الشديدة بالرياضة ما جاء في مسند الإمام أحمد أن النبي r ، كان يَصُفُّ الأطفال الذين يأنسون به ويقول: ( من سبق فله كذا فيستبقون إليه فيقعون على صدره، فيلتزمهم ويقبِّلهم )، وما رواه البخاري:
{ أن النبي r مرَّ على نفر من (أسلم) ينتضلون بالسوق – أي: يتعلمون الرمي - فقال r: ارموا بني اسماعيل فإن أباكم كان راميًا، ارموا وأن مع بني فلان. فأمسك أحد الفريقين عن الرمي!! فقال رسول الله r: ما لكم لا ترمون؟ فقالو كيف نرمي وأنت معهم؟ فقال r: ارموا وأنا معكم جميعاً }
وعنه r فيما رواه الطبراني:
{ كل شئ ليس من ذكر الله فهو لهو أو سهو إلا عن أربع خصال: مشي الرجل بين الغرضين - الجري - وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله، وتعليمه السباحة}
لذلك كتب عمر بن الخطاب إلى الولاة:
 (أما بعد، فعلِّموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل).
وقد روى أحمد وأبو داود:
(أن النبي r سابق عائشة فسبقته، ثم سابقها بعد ذلك فسبقها، فقال: هذه بتلك)، وورد:
{ من مشى بين الغرضين كان له بكل خطوة حسنة }[42]
والغرضان علامتان يحدُّ بهما مجال السباق. كذلك ورد أنه r سابق بين الخيل، وسابق بين الجمال.
وقد صارع النبي r ، ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب، وكان بمكة ويحسن الصراع، ويأتيه الناس من البلاد فيصرعهم - فصرعه r ثلات مرات حتى وقف ركانة معجبًا وقال: (إن شأنك لعجيب، وأسلم عقبها.[43]، وكذلك صارع r أبا الأسود الجمحي فصرعه، وكان رجلاً شديداً بلغت قوته أنه كان يقف على جلد بقرة فيشد الجلد عشرة لينزعوه من تحته فيتفرى الجلد ولا يتزحزح عنه.
والتكاليف الإسلامية نفسها يشتمل كثير منها على رياضات للأعضاء، إلى جانب إفادتها قوة الروح واستقامة السلوك، فالصلاة بما فيها من طهارة وحركات لمعظم أعضاء الجسم، والحج ومناسكه، والزيارات والرحلات والجهاد والمشي إلى المساجد، وأنواع النشاط الإجتماعي، كلها تمرين لأعضاء الجسم وتقوية له، ما دامت في الحد المعقول.
على أننا يجب أن نؤصل في نفس الطفل أن الارتباط الرياضي لا يكون على حساب واجبات أخرى يكلف بها، فلكل وقته، والاعتدال والوسطية وإيجاد التوازن مع سائر الواجبات من الأمور المطالب بها، فعليه أن يتعلم التعادل على يد المربي، استلهاماً من قوله r لسيدنا أبى الدرداء:
(يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ إِنَّ لِرَبكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلأهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقَ حَقَّهُ ).[44]
هذا مع الإشارة إلى أن الإسلام لا يرضى أن نمارس الرياضة بشكل يؤذي الناس كاللعب في الشوارع الضيقة، وكذلك لا يرضى بالتحزب الممقوت لفريق أو لشخص، ويحرم المرهنات على النتائج، كما لا يبيح اشتراك الذكور مع الإناث في لعبة واحدة جماعية، ولا يرضى عن كشف العورات بصورة تثير الشهوات باسم الرياضة، ولا يسمح بإطلاق الكلمات النابية، والتعليقات اللازعة أثناء المباريات أو بعدها وذلك للقاعدة الشرعية الإسلامية: (لا ضرر ولا ضرار).

ثانيا: الإعداد العقلي
ويقصد به إعداد الطفل عقليا وتهيئته كي يكون سليم التفكير، قادرًا على النظر والتأمل، يستطيع أن يفهم البيئة التي تحيط به، ويحسن الحكم على الأشياء، ويمكنه أن ينتفع بتجاربه، وتجارب الآخرين.
فالإسلام دين الفطرة فهو يحترم الطاقات البشرية كلها، لأنها هبة الله المنعم الوهاب: } قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ { [23- الملك]. ولكنه يعطيها أقدارها الصحيحة، ومن ثم فهو يحترم الطاقة العقلية، ويشجعها ويربيها لتتجه نحو الخير، ويمكن تلخيص هذا الإعداد باتخاذ الوسائل الآتية:
- التعليم:
وقد أرشد الإمام الغزالي ]في كتابه (إحياء علوم الدين) ج3 ص73[ إلى تدعيم هذه الناحية التربوية والعقلية بقوله: )ينبغي حفظ الصبيان عن رداءة الأخلاق من كذب وحسد ونميمة، وإنما يحفظ عن جميع ذلك بحسن التأديب، ثم يُشغل في المكتب فيتعلم القرآن وأحاديث الرسول r وحكايات الأبرار، لينغرس في نفسه حُبُّ الصالحين(.
وفي مقدمة ابن خلدون إشارة إلى أهمية تعليم القرآن الكريم للأطفال، وتحفيظه لهم، وأوضح أن تعليم القرآن الكريم هو أساس التعليم في جميع المناهج الدراسية في مختلف البلاد الإسلامية، لأنه شعار من شعائر الدين، يؤدي إلى تثبيت العقيدة ورسوخ الإيمان. ويقول سعد ابن أبي وقاص:
(كنا نعلِّم أولادنا مغازي رسول الله r ، كما نعلمهم السورة من القرآن الكريم).
ولهذا يجب علينا أن نقف أمام المعلم الأول والمربي الحكيم مولانا رسول الله r لنتعلم منه ما يجب على المربي أن يفعله مع الطفل، إذ قال r:
{ افتحوا على صبيانكم أول كلمة بلا إله إلا الله  }[45]
ويقول ابن عباس t :
{ اعملوا بطاعة الله، واتقوا معاصي الله، ومُرُوا أولادكم بامتثال الأوامر واجتناب النواهي، فذلك وقاية لهم ولكم من النار }
وروى الطبراني عن الإمام على كرَّم الله وجهه أنه قال:
 (أدبوا أولادكم على ثلاث خصال: حب نبيكم، وحب آل بيته، وتلاوة القرآن الكريم، فإن حملة القرآن الكريم في ظل عرش الرحمن يوم لا ظل إلا ظله مع أنبيائه وأصفيائه).
فلا يجب علينا أن نترك عقول أولادنا للمسلسلات التافهة، والأفلام الفارغة والمسرحيات العابثة فتملأ عقولهم بالأفكار الفجَّة، والمعلومات الغثَّة، لأن هذه مسئوليتنا، بل يجب أن نطبق منهج النبوة عليهم، فكما أنك مسئول عن توفير الطعام والكسوة والعلاج والتعليم لإبنك، فأنت أيضًا مسئول مسئولية أكبر أن تحفظ له قلبه وتُعَمِّرَ له عقله بالإيمان، فإذا كنت حريصاً على صحته الجسدية، فيجب أن يكون حرصك أكبر على صحته الإيمانية، وإذا كنت حريصاً على أن أوفر له جلباباً يحميه من الحرِّ والبرد في الدنيا، فلا بد أن أخيط له جلباباً يحميه من حرِّ وزمهرير جهنم، وذلك لا يكون إلا من كتاب الله U، وفي ذلك قيل:
إذا المرء لم يلبس ثياباً من التُّقى      تجرَّد عريانًا وإن كان كاسيّا
ولكي يتم ذلك فعلينا تعليم أولادنا حُبَّ القرآن والإقبال على القرآن، وحفظ القرآن، وفهم القرآن، حتى يصيروا مغموسين بأنوار القرآن، وبأنوار حضرة الرحمن، ثم نعلمهم حب رسول الله r. فأغلب أطفالنا الآن لا يعرفون غير لاعبي الكرة، والممثلين والممثلات، والمطربين والمطربات، وبالتالي لا يحبُّون غيرهم، مع أن معظم هؤلاء سيكونون يوم القيامة في الفئة التي يقول الله Uفيها: } وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنصَرُونَ { [41- القصص]. لكني أريد أن أربيهم في صفوف القوم الذين يقول الله فيهم: } وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا { [74- الفرقان]. وهم أئمة أهل الجنة، وهؤلاء لا بد أن ترتبط قلوبهم بقلب رسول الله r.
كيف أعلِّمُهم حُبَّ رسول الله r؟
أحكي لهم سيرته، وأوضح لهم حياته، وأبين لهم مواقفه ومتاعبه في الدعوة إلى الله، وما تحمله في سبيل نشر دين الله، وأعرض عليهم الفضائل التي خصَّه الله U ، خاصة وأن محبته r، سرُّ الفوز بالنعيم المقيم يوم لقاء الله، لقوله r:
{ يحشر المرء مع من أحب يوم القيامة }، وقوله أيضاً: { ما اختلط حبي بقلب عبد مؤمنٍ إلاَّ حرَّمه الله على النار }.[46]
وقد كان لهذه التربية أثر بالغ في نفوس أبناء أصحابه الكرام، فقد روي أنه بعد بيعة الرضوان التي تمت في صلح الحديبية فوجئت السيدة عائشة رضى الله عنها بمظاهرة كبيرة من الأطفال الصغار يدخلون عليها، ويتقدمهم ابن أختها عبد الله بن الزبير، فسألتهم عن سبب مجيئهم، فأخبروها أنهم سمعوا عن مبايعة الرسول r، لأصحابه فأرادوا أن ينالهم شرف ذلك، فأخبرت رسول الله r بذلك، فأمر بإدخالهمم وصافحهم، وسُرَّ بهم، ودعا لهم.
وعلينا بعد ذلك أن نحببهم في الصالحين من عباد الله، وهم الأتقياء والعلماء العاملين، والحكماء، ونجعلهم يميلون إليهمم ويتشبهون بهم ليتعلموا منهم الخشية والتواضع، والوقار والأدب والحبّ، والإخلاص والصدق، وفي ذلك يقول الإمام الشافعي t :
أحب الصالحين ولست منهم

عسى أني أنال بهم شفاعةّ

وأكـره من تجارته المعاصي

وإن كنا سويًّا في البضاعة

وقد ردت عليه السيدة نفيسة رضى الله عنها قائلة:
تحب الصالحين وأنت منهم

لعلهم ينالوا بك الشفاعـة

وتكـره من تجارته المعاصي

حماك الله من تلك البضاعة

فإذا عمَّرت عقله وقلبه بكتاب الله، وأحاديث رسول الله، وقصص الصالحين، فإنه يشبُّ على النقاء والصفاء، وقد طَهُرَ من الغِلِّ والغشِّ والحقد، فيصير رجلاً نافعاً لنفسه ولأهله ولمجتمعه.
                         - التأمل والتفكير
وهما ضروريان لتنمية العقل واستقلاله بالفهم والإدراك، والقرآن الكريم حافل بالآيات التي تدعو الإنسان إلى التأمل وإيقاظ النفس، واستشعارها لعظمة الله وقدرته في الكون، لقوله تعالى فى [164- البقرة]:.
} إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُون {
ويبدأ الإسلام التربية العقلية هنا بتحديد مجال النظر العقلي، فيصون الطاقة العقلية أن تتبدد وراء الغيبيات التي لا سبيل للعقل البشري أن يحكم فيها. وهو يعطي الإنسان نصيبه من هذه الغيبيات بالقدر الذي يلبي ميله للمجهول، ولكنه يَكِلُ أمر ذلك إلى الروح فهي القادرة على ذلك، المزودة بوسائل الوصول، أما العقل فوسيلته إلى الله وإلى معرفة الحق، هي تدبر الظاهر للحسِّ والمُدْرَكِ بالعقل.
ثم بعد ذلك يأخذ في تدريب الطاقة العقلية على طريقة الاستدلال المثمر والتعرف على الحقيقة، فيتخذ إلى ذلك وسيلتين:
الوسيلة الأولى: وهي وضع المنهج الصحيح للنظر العقلي فينعى على المقلدين الذين يقولون: } إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ { [23- الزخرف]. وينعي على الذين يتبعون الظن: } إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ { [23- النجم]. ثم يأمر بالتثبت من كل أمر قبل الاعتقاد به واقتفائه: } وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً { [36- الإسراء].
والوسيلة الثانية: هي تدبر نواميس الكون - تطبع العقل بطابع من الدقة والتنظيم، فيوجه الإسلام الطاقة العقلية أول ما يوجهها إلى التأمل في حكمة الله وتدبيره. وهذا التأمل غايته إصلاح القلب البشري، وإقامة الحياة على الأرض على أسس من الحق والعدل الأزليين الكامنين في بنية الكون وبنية الحياة، وفي يقول كريس موريسون ]في كتابه )العلم يدعو للإيمان[(:
(إنَّ وجود الخالق يدلُّ عليه تنظيمات لا نهاية لها، تكون الحياة بدونها مستحيلة، وإن وجود الإنسان على ظهر الأرض، والمظاهر الفاخرة لذكائه، إنما هي جزء من برنامج ينفذه بارئ الكون).
ويوجِّه الإسلام الطاقة العقلية كذلك إلى النظر في حكمة التشريع، ولذلك فقد عنى القرآن في آيات التشريع بأن يوقظ العقل البشري لتدبر هذه الآيات، وفهمها ووعيها، حتى يستطيع تطبيقها على خير وجه.
ومنذ العصر الأول ظهرت حتى في التشريعات التفصيلية الثابتة المحكمة، حالات تستدعي إعمال الفكر، وفهم الحكمة، وفهم الترابط العام بين جميع التشريعات، ومن ذلك: عدم تطبيق عمر لحدِّ السرقة على غلمان حاطب بن أبي بلتعة الذين سرقوا ناقة رجل من مزينة، لأنه اعتبر الجوع الذي يقاسونه شُبْهَةً تدرأ عنهم الحدَّ وقال لعبدالرحمن بن حاطب:{ أما والله لولا أني أظن أنكم تستعملونهم وتجيعونهم، حتى لو أنّ أحدهم يجد ما حرم الله عليه لأكله، لقطعت أيديهم }[47].
ومن جانب آخر فإن التشريعات المتعلقة بأمور متغيرة في الحياة البشرية، وهي سياسة الحكم وسياسة المال، قد اقتضت حكمة الله فيها أن يشمل التشريع الأسس والمبادئ دون التفصيلات والأشكال، لأن أية تفصيلات وأية أشكال ستكون موقوته بفترة معينة، بينما الأسس والمبادئ هي الإطار الذي ينبغي أن تسير الأمور في حدوده، متجددة بتجدد كل عصر ودرجته من العلم، ودرجته من التفاعل من الكون المادي، وصورة المجتمع الذي يعيش فيه.
ففي سياسة الحكم؛ مثلاً: ورد أساسان شاملان هما العدل والشورى: } وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ { [58- النساء].
} وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ {[38- الشورى].
 ولكنه لم يبيِّن أي طريقة تكون عليها الشورى؟ أهي مجمع من رؤساء القبائل والعشائر؟ أم مجلس برلماني منتخب أو معين، أو خلافة، لأن هذه صورة متغيرة بتغير صورة المجتمع وإمكانياته.
وجاء في سياسة المال: } كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاء مِنكُمْ { [7- الحشر]. فقرر كراهية حصر المال في يد فئة قليلة يتداولونه بينهم وبقية الأمة محرومة منه. أما طريقة الاشتراك في هذا الخير فقد تركها لكل جيل يصوغا في الصورة التي تلائم ظروفه وعلمه وإمكانياته، بحيث لا يخرج على تلك القاعدة الكبرى.
لهذا وذاك طلب اليقظة من الإنسان لحكمة التشريع الإلهي، ووعيه وتدبره، ضماناً لسير الأمور في الأرض على نهج من العدالة والحق المستمدين من العقيدة في الله. ومن هنا يمتزج التشريع بالتوجيه، وتمتزج الأحكام بالتقوى التي تضئ الوجدان.
ويوجِّه الإسلام الطاقة العقلية كذلك لضمان سير الأمور في المجتمع على منهج صحيح. فكل فرد في الأمة المسلمة مطالب بالرقابة على المجتمع، ومسئول عن كل ما يقع فيه، وإلاَّ أصابه جزاء غفلته ولو لم يكن هو ذاته من الظالمين. } فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً { [25- الأنفال]،
وإنما تصيبكم جميعًا جزاء قعودكم عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
هذا التكافل في المجتمع والرقابة على سير الأمور فيه، يقتضيان وعياً كافياً، ويستلزمان عقولاً ناضجة، ولا بد من توجيه الطاقة العقلية للعمل في هذا الميدان، فهذا هو الضمان لحسن سير الأمور.
والقرآن يوجه المسلمين في ذلك توجيهات شتى:
فهو مرَّةً يبصرهم بأعدائهم الذين يتربصون بهم لِيَحْذَرُوهم، ويكونوا على الدوام متيقظين لهم، واعين لمؤامراتهم ودسائسهم. وتارة يوجههم لطريقة تلقي الأنباء والتصرف في الأمور حين تشيع الشائعات حول أمر من الأمور. وتارة يوجههم إلى حسن الحكم على الأشياء والأشخاص، وعدم التسرع في إصدار حكم على أمر لم تتبين كل خطوطه. وتارة يوجههم إلى طاعة أولي الأمر في حدود طاعة هؤلاء لله والرسول r . وهكذا مع ملاحظة أن كل توجيه تنظيمي يصحبه ويلزمه التوجيه إلى الله والدعوة إلى تقواه.
ويوجِّه القرآن الطاقة العقلية إلى النظر في سنة الله في الأرض وأحوال الأمم والشعوب على مدار التاريخ:
 } أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَواْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ { [109- يوسف].
ثم يوجِّه الإسلام العقل البشري إلى استخلاص الطاقة المادية وتذليلها لخدمة الإنسان:
 } وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ { [10- الأعراف].
فيوجهه إلى استخلاص الطاقة المادية، وقد وجَّه رُوحَه من قبل إلى الارتباط بالله وخشيته وتقواه؛ ومن ثم يعمل العقل البشري في استخلاص هذه الطاقة غير مفتون بها ولا شاعر بأنها خلاصة الحياة وجوهرها الأوحد؛ فينتفع بثمارها وهو مالك لأمره منها، غير مستعبد لها ولا منجرف في طريقها، وهذا فارق حاسم فيما بين الإسلام وغيره من النظم والعقائد والأفكار.
ولذلك فإن المسلمين لم يفتنهم التقدم المادي فينقطعوا عن الله ومنهجه وعبادته والسير على هداه، ولم يفتنهم فينقطعوا عن عالم الروح، ولم يفتنهم فيستغلوا علمهم في سبيل الشر، ولم يفتنهم فيُحَوِّلُهم إلى المادية الكريهة التى تسيطر اليوم على الغرب، ولم يفتنهم فينبذوا أخلاقهم جانباً بحُجَّةِ أنهم تقدُّميُّون.
بل سار العلم في ظلال العقيدة يكشف ويصل كل يوم إلى جديد، وهو ماض في طريق الخير، لأنه سائر في طريق الله، ولذلك يحرص الإسلام أشد الحرص على ربط القلب دائمًا بالله، وتوجيه العقل - وهو يعمل في استنباط الطاقة المادية في الأرض - إلى حكمة الله من الخلق، وآياته في رحاب الكون.
والعلاقة بن العقل والروح قائمة أبدًا لا تنفصم في منهج الإسلام. ومن ثم لا يضل العقل - وهو يتعلم - ولا ينحرف عن طريق الخير، ولا يستخدم معلوماته في سبيل الشر.
والعلاقة بين الروح والمادة قائمة: فلا يستعبد الإنسان المادة، ولا يقع فريسة للآلة تستعبده وتسيطر عليه، لأنه حافظٌ لكيانه المتكامل، مستمدٌ قوته من الله، من ثم يظل هو المسيطر وهو العنصر الإيجابي الفعال.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق