مدونة مراقى الصالحين: جراحات مؤلمه لقلوب واهنه

الأربعاء، 2 نوفمبر 2011

جراحات مؤلمه لقلوب واهنه




كثير من الناس يظن بل يتيقن أن المال قادر على حل كل المشكلات , وأنه يعيد البسمة المفقودة للشفاة , ويعيد الرضا والاطمئنان للقلوب المضطربة وللأعين التي لا تكاد ترى النوم إلا غفوات , ولاشك أنهم واهمون في ذلك فسرعان ما يكتشفون أن المال على عظم تأثيره في النفوس وتغييره لأحوال كثيرة من الناس إلا أنه يظل عاجزا أمام مشكلات كثيرة في حياة الناس   .
ما أقسى الجراحات حينما تشتد على قلب واهن ضعيف فتؤلمه ألما لا يستطيع أن يتحمله , ولن يجد سوى خالقه ومولاه مؤنسا وكافيا ووليا ونصيرا  إليه وحده المشتكى فهو العليم بحال القلب الكسير وهو الحكيم الذي يقضي الأمور بحكمته البالغة التي يجب أن نرضى جميعا بها .
ولقد اخترت جراحتين مؤلمتين لقلبين ضعيفين  : أولاهما لقلب شيخ كبير وهن قلبه من كثرة ما تعرض له من جراحات , والثانية لقلب غض صغير برئ لم يشتد عوده بعد ولم يعتد بعد مرارة التجارب وآلام السنين .
شيخ على مشارف السبعين من عمره لم يتعلم العلم الدنيوي لكثرة الجهل في محيطه , ولم يتعلم العلم الشرعي الذي يقيه الوقوع في المصائب التي تنتج عن مخالفة أوامر الله .
أقنعه بعضهم يوما - ممن كان يظنه ويتوسم فيه أنه ناصح أمين عليم بالأحكام الشرعية - بتوزيع ما جمعه من ماله على أبنائه وهو حي يرزق , حتى لا يفترقوا من بعده وتتقطع أرحامهم ويختلفوا نظرا لاختلاف طباعهم وثوابتهم وقيمهم , فظن أنه يحسن فعلا بذلك خاصة عندما أورد له ذلكم الناصح الأمثلة الكثيرة التي تضج بها المجتمعات الإسلامية عند توزيع المواريث وكأن الإشقاء المتحابين يظلون إخوة متجمعين إلى أن يأتي اليوم الذي تبرز فيه المصالح المادية بينهم فتتقطع الأواصر ويُظهر كل منهم ما أضمر من سوء خلق ويكون يوم موت مورثهم نازعا لآخر ورقة توت من حيائهم .
وبالفعل وزع الشيخ ما جمعه طوال عمره على أبنائه , وهم ما بين مرحب بذلك وكاره له , ولم يترك لنفسه شيئا هو وأمهم , بل كتب كل شئ يملكه هبة لأبنائه كي لا يختلفوا على أي شئ من بعده حتى لو كان ضئيلا لاقيمة له .
وظل الأبناء على حسن صلتهم به وبأمهم على انشغال منهم جميعا فكلهم يسعى لرزقه , والناس متفاوتون في الأرزاق فمنهم من يُبسط له فيه ومن من يُقدر عليه .
 إلى أن جاء اليوم الذي لم يستعد له الشيخ ولم يضعه في حسبانه , يوم أن أصيبت زوجته بمرض عضال وانتهى الأمر خلال أيام قلائل وانتقلت زوجته إلى رحاب الله تاركة إياه ليعيش أسوأ أيام عمره .
- اكتشف الشيخ أن الهالة التي كانت متجمعة حوله من أبنائه لم تكن بسبب وجوده هو بل كانت بسبب وجود الأم بينهم .
- اكتشف أن زوجته الراحلة كانت بمثابة الشجرة العملاقة التي يستظل بظلها كل الفرقاء وكل الأعداء الألداء والأصدقاء على حد سواء , فالكل لم يكن يستطيع مفارقتها حتى وإن كثرت بينهم المنازعات فكانوا يتحملون ما لا يحبون إرضاء لها وتقديرا لوجودها .
- إكتشف شروخا هائلة عميقة ضاربة جذورها وتصدعات شديدة بين أبنائه , ولم يستطع أبدا أن يعالجها بل أنه لا يستطيع مجرد جمعهم في مكان واحد لأي سبب مهما كان .
اكتشف أنه الأن كالأعمى الذي فتح عينه يوما ليكتشف المصائب المتتالية بين أبنائه فندم أنه فتحها وتمنى أنها ليتها ظلت عمياء لا تبصر , وكثيرا ما ردد وصرح : ليت الأمر كان معكوسا وبقيت الزوجة ومات هو , فعلى الأقل كانت ستجمع الزوجة ذلك الشتات بما اعتادت أن تجمعهم به .
واكتشف أن ما فعله لكي يتجنب فرقتهم قد عجل بها فعلا وجعلها حقيقة ماثلة أمام عينه , فما كان لا يحب أن يراه فيهم بعد موته صار حقيقة واقعة أمام عينه وهو عاجز عن معالجتها ومتألم من أجلها .
وانسحب الأبناء من حياته رويدا رويدا , وقبلها انقطعت صلاتهم ببعضهم إلا في الجوانب الشكلية المظهرية , وأصبح الأمر أكثر إيلاما له لتأخر الموت عليه كما يقول أنه يتمناه فعلا وأنه الأمنية الوحيدة الباقية له .
يجلس وحيدا بالساعات بل بالأيام لا يؤنس وحشته إلا صلاة الجماعة وصحبة المسجد وتلاوة القرآن الكريم وبعدها يعود ليجتر ذكرياته المؤلمة في حياته .
يتذكر أنه قد عمل جاهدا طوال عمره لكي يتجنب أمرين لا ثالث لهما : الفقر والوحدة , فمنذ حادثة طلاق أمه من أبيه وزواج كل منهما من آخر وانشغال كل منهما بأسرته الجديدة وعدم تحمل كل منهما لولدهما كنتاج للأسرة القديمة والذي يُذكر كلا منهما بالزوج الذي يرغب في التخلص منه ومن آثاره ،. تركاه مع جدته لأمه , تلك العجوزالمريضة الكفيفة التي تحتاج لمن يعولها ماديا ومعنويا وهو الطفل الذي لم يبلغ العاشرة بعد , فعمل الطفل منذ ذلك الحين لكي يعول نفسه وجدته في وحدة وفقر بالغين .
وظل ذلك تخوفه الأكبر طوال عمره أن يعود للوحدة والفقر يوما آخر , فتزوج وحرص على انجاب أكبر عدد من الأبناء كي يفر من الوحدة , واجتهد في عمله كي يزيد ماله فيهرب من الفقر .
وسبحان الله - هاهو يعود إليهما او يعودان إليه مع الفارق الضخم القاتل , فوحدته اليوم وأبناؤه ستة متزوجون , وفقره اليوم ومن أبنائه بل معظمهم من يملك من المال الكثير .
ما أشد ما يشعر به في ليله الطويل الممل الذي لا يقطعه صوت سوى صوت نشرات الأخبار التي تزيده اكتئابا أو صوت القرآن الكريم الذي يهدئ من روعه ويغفو عند سماعه غفوات لا ينال غيرها طوال الليل والنهار .
ونصحه ناصح آخر وكأن من قدره أن كل ناصح له يأتيه بنصيحة فيها ألم له , فكل نصيحة جديدة فيها ألم جديد , نصحه بعضهم أن يتزوج فهذا حقه الذي لن ينازعه أحد فيه لكي يستريح باقي أيام عمره .
فعرض الفكرة على أبنائه وهو يظن أنه يُعلمهم بذلك كما اعتاد رد فعلهم دوما في قراراته , وما خُيل إليه أبدا أن الأمر تغير الآن , وأنه الآن يستأذنهم في ذلك لكي يسمحوا له , وهو يقول في نفسه لماذا أستأذنهم وأنا صاحب كل شئ ومالك كل شئ حتى وإن كنت بالمستندات والأوراق لا أملك شيئا !!!!
لم يدرك أنه مقيم في مسكن يملكه الأن أحدهم , وأنه ليس له راتب إلا المعاش الضئيل , وأنه ليس له حساب بنكي أو مورد يدر عليه دخلا يكفيه لاتخاذ أي قرار إلا بموافقتهم كي يدفعوا له , اكتشف أنه ليس له من الأمر أي شئ وأنه عاجز عن اتخاذ أي موقف ولا تنفيذ أي اتفاق ولا الوفاء بأي وعد يقطعه على نفسه مع أية أسرة يُقدم على الزواج منها .
اكتشف أنه الآن يعيش في الفقر الذي كان يخشاه بعد الوحدة التي عاناها , واشتدت آلامه حتى بعد أن وافق الابن صاحب المسكن على زواج أبيه على ما فيه من خسارة محتملة لمسكنه إن قدر الله وفاة الأب  وهو متزوج زوجة أخرى فسيفقد الإبن ذلك المسكن , واعترض باقي الأبناء خوفا من ظلم جديد يقع على الإبن صاحب المسكن أو على الزوجة المحتملة التي لا تعرف أن الرجل الشيخ قد وزع ممتلكاته فعلا فليس له شيئ ترثه إن مات قبلها , وخوفا من ظلم أكبر وهو احتمال أن تنجب الزوجة الجديدة ابنا أو أكثر … فمن يتحمل وزر حرمان الأبناء الجدد من ميراث أبيهم الذي وُزع بالفعل وذاب في أموالهم ولم يعد أحد يستطيع إخراجه أو فرزه وتجنيبه .
واعترض الأبناء – ولكل دوافعه – وعاد الأب مهزوما مخذولا مدعيا أنه صرف الفكرة عن رأسه نافيا أن يكون مضطرا لذلك عندما تيقن أنه بالفعل فقير ووحيد .
ما أشقى ان تكون خاتمة الحياة بهذا الشكل .
وما اشقى أن يتمنى الانسان الموت كل يوم ألف مرة .
وما أشقى أن يسعد الإنسان لاقتراب الموت منه بمرض فلا يُعالج نفسه منه تعجلا للمنية .
وما أصعب أن يتعرض الأنسان لكل ذلك نتيجة خطأ وقع فيه بأن تعجل ما أخره الله الحكيم الذي جعل المال ملكا لصاحبه فلا يوزع على الوارثين إلا إذا أصبحوا وارثين فعلا بتحقق موت مورثهم .
فالويل كل الويل لمن خالف شرع الله سبحانه , فشرع الله فيه الحماية والصون والكرامة     

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق