مدونة مراقى الصالحين: - استقبال شهر رمضان بالتكافل والتراحم

الأحد، 29 مايو 2016

- استقبال شهر رمضان بالتكافل والتراحم


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ{183} أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ{184} شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ{185} البقرة... بيان إلهى وتكليف رباني نزل يحث عباد الله المؤمنين على صيام شهر رمضان وقد نزل هذا البيان في شهر شعبان في السنة الثانية من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وفيه كل شئ يتعلق بهذه الفريضة وما يجب أن يتعلمه كل مسلم ومسلمة وكل مؤمن ومؤمنة حتى أن هذا البيان مع صغر حجمه ومع قلة كلماته وآياته لا يغادر
صغيرة ولا كبيرة في شأن الصيام إلا ووعاها وأحصاها وبينها، عرف ذلك من عرفه، وجهله من جهله، ونحن جميعاً ونحن نستعد لشهر رمضان فالواجب الأول علينا وعلى زوجاتنا وعلى أولادنا وعلى بناتنا أن يستعدوا لتلاوة هذه الآية وفهمها واستيعابها كما أمر الله قبل تجهيز المأكولات وقبل إعداد المشروبات. عليهم جميعاً أن يقرأوا هذه النصائح والتوجيهات التي أنزلها الله على رسوله صلى الله عليه وسلم، وعندما نزلت هذه الآيات جمع رسولكم الكريم صلى الله عليه وسلم أصحابه وتلاها عليهم، ثم بين لهم الآداب الواجب عليهم إتباعها فقال في خطبة جامعة: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ أَظَلَّكُمْ شَهْرٌ عَظِيمٌ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ، شَهْرٌ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَىٰ صِيَامَهُ فَرِيضَةً وَقِيَامَ لَيْلِهِ تَطَوُّعاً، مَنْ تَقَرَّبَ فِيهِ بِخَصْلَةٍ مِنَ الْخَيْرِ كَانَ كَمَنْ أَدَّىٰ فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ، وَمَنْ أَدَّىٰ فَرِيضَةً فِيهِ كَانَ كَمَنْ أَدَّىٰ سَبْعِينَ فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ، وَهُوَ شَهْرُ الصَّبْرِ، وَالصَّبْرُ ثَوَابُهُ الْجَنَّةُ، وَشَهْرُ الْمُوَاسَاةِ، وَشَهْرٌ يُزَادُ فِيهِ رِزْقُ الْمُؤْمِنِ، مَنْ فَطَّرَ فِيهِ صَائِماً كَانَ لَهِ مَغْفِرَةً لِذُنُوبِهِ وَعِتْقَ رَقَبَتِهِ مِنَ النَّارِ، وَكَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَجْرِهِ شَيْءٌ، يُعْطِي اللَّهُ تَعَالَىٰ هذَا الثَّوَابَ مَنْ فَطَّرَ صَائِماً عَلَى مُذْقَةِ لَبَنٍ أَوْ تَمْرَةٍ أَوْ شَرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ، وَمَنْ أَشْبَعَ صَائِماً سَقَاهُ اللَّهُ مِنْ حَوْضِي شَرْبَةً لاَ يَظْمَا حَتَّى يَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَهُوَ شَهْرٌ: أَوَّلُهُ رَحْمَةٌ، وَأَوْسَطُهُ مَغْفِرَةٌ، وَآخِرُهُ عِتْقٌ مِنَ النَّارِ، فَاسْتَكْثِرُوا فِيهِ مِنْ أَرْبَعِ خِصَالٍ خَصْلَتَانِ تُرْضُونَ بِهَا رَبَّكُمْ، وَخَصْلَتَانِ لاَ غِنَىً لَكُمْ عَنْهُمَا، فَأَمَّا الْخَصْلَتَانِ اللَّتَانِ تُرْضُونَ بِهِمَا رَبَّكُمْ: فَشَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَتَسْتَغْفِرُونَهُ وَأَمَّا اللَّتَانِ لاَ غِنىٰ بِكُمْ عَنْهُمَا: فَتَسْأَلُونَ اللَّهَ الْجَنَّةَ وَتَعُوذُونَ بِهِ مِنَ النَّارِ}{1}. فالمؤمن استعداده وتجهيزه لشهر رمضان بما ذكرت يطلب من الله التوبة ليتوب إلى الله مما جناه ويدخل على هذا الشهر باراً تقياً لله، يقرأ أبواب الصيام ليحكم أمر الصيام فيتقبله الله بقبول حسن، ينظر إلى المنهاج النبوي الذي وصفه النبي صلى الله عليه وسلم للصائمين وهو قوله صلى الله عليه وسلم: {الصِّيامُ جُنَّةٌ فَاذَا كان أحَدُكُمْ يَوْماً صَائِماً} ماذا عليه؟ {فَلا يَجْهَلْ وَلا يَرْفُثْ، فإنِ امْرُؤٌ قاتلهُ أَوْ شَتَمَهُ فَلْيَقُل: إِنِّي صائِمٌ إِنِّي صائمٌ}{2}، هذا هو ما يقوله المسلم و ليس ماذا يوجد للإفطار؟ وماذا يعد للسحور؟ لأن هذا الشهر كما قال فيه الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (183البقرة) ، حدد الهدف وهو التقوى، وجعل هذا الشهر معسكراً فرضه علينا الله لنحصل في نهايته على شهادة بأننا أنقياء لله، أتقياء لله، مغفوراً لنا ذنوبنا من عند الله، قمنا بالأوامر التي فرضها علينا الله وأعطانا إجابة الدعاء التي ذكرها في آخر البيان القرآني، فمن صام كما أمر الله فأولئك يقول لهم وفيهم الله: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} (186البقرة) ،قريب منه في كل وقت، وفي كل زمن، وفي كل مكان، وأجيب دعوة الداع إذا دعان بليل أو بنهار، في مسجد أو في عمل أو في حقل أو في شارع لأنه استجاب لداع الله وأمر بالصيام كما أمر الله. وإذا كان الإنسان يجد من رفاقه في المنزل تبرماً من الصيام، أو من زملائه في العمل تبرماً من الصيام عليه أن يشرح لهم ما تيسر من الحكم التي من أجلها فرض الله الصيام حتى لا يحرموا من الأجر والثواب فإن من صام وهو متضرر أو متبرم ليس له أجر عند الله، مثل الذي يأتي في أول النهار أو في وسطه ويقول لماذا طال هذا اليوم؟ لماذا لم يؤذن المغرب؟ لماذا لم ينتهِ هذا الشهر؟ هذا الكلام نسمعه كثيراً وكل من يقول مثل هذا الكلام فقد نفص عمله وصيامه في شهر رمضان، ومثل هذا علينا أن نشرح له الحكمة من الصيام.
إذاً فما الحكمة من الصيام؟ الصوم جنَّة: يعني وقاية ... وقاية من ماذا يا رسول الله؟ العزيز الحكيم الذي خلق فسوى يعلم الذي يصلح هذا الجسد والذي يفسده وجاء بهذا الكتالوج الإلهي القرآن الكريم ليعرفنا كيف نشغل هذا الجسم، فأخبرنا أن في الجسد أعضاء تعمل في الليل وفي النهار، وأعضاء تستريح بالليل كالعين والفم واليد والرجل والفكر والحس، هذه الأعضاء تستريح ليلاً لكن المعدة والقلب تعملان بالليل وبالنهار فالإنسان يكون نائماً والقلب يعمل والمعدة تتحرك وهذه المعدة من غريب صنع الله أنها لا تهضم الطعام إلا في وجود بعض الطفيليات التي تعيش عليها، فهي من فضل الله تفرز إنزيمات خاصة تعمل على هضم الطعام وكثرتها تتعب المعدة، وقلتها تؤذى المعدة ولا بد أن تكون بحساب معلوم قرره الحي القيوم، ولأن الإنسان يأكل طوال العام فيزيد معدل تكاثرها فتحتاج إلى الحد منها فكانت فريضة الصيام، يجوع الإنسان فيها بالنهار فتكون فرصة للإقلال من هذه الفطريات والطفيليات التي تعيش فى معدة الإنسان والتي هو محتاج إليها ولكن بقدر معلوم وأنتم جميعاً تعلمون أن أرضنا التي تكثر زراعتها يقل إنتاجها. ما علاجها؟ نريحها عاماً من الزمان ونحرثها ونقلبها ونتركها للشمس حتى تقتل الآفات التي تسكن بها، فإذا زرعناها في العام التالي جاءت بإنتاجها ومحصولها المعتاد، فأيضاً المعدة يتحسن جدارها وتنزوى طفيلياتها وتستريح أعضاءها لكي تستطيع أن تكمل لك المسيرة التي حددها لها الصانع الذي هو الله، فكل واحد منا قدر له الصانع زمن معلوم إذا انتهى زمانه رجع إلى ما خلق منه {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} (55طه)، إذاً الصيام لراحة المعدة وليس لإتخامها آخر النهار بالأكل فهي متخمة طوال العام، ولذلك عندما ننظر لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين فقهوا الحكمة عندما ذهب إليهم الطبيب هدية من المقوقس حاكم مصر ردوه ولم يكن عندهم مستشفى ولا عيادة لماذا؟ لأنهم مشوا على منهاج الله ونفذوا الكتاب والكتالوج الذي أنزله عليهم الله فعاشوا في أمن وعافية من الله في الدنيا: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} (97النحل)، وفي الآخرة حياتهم طيبة هنيئة، فالمجاري التي يجرى فيها الدم الشرايين والأوردة توصل الغذاء وتوصل الدم وتوصل الماء وترجع ثانية الفضلات هذه الأوردة والشرايين لأننا نأكل طوال العام قد تنسد بالدهون التي تترسب فيها وتجعل الإنسان عرضة لتصلب الشرايين أو عرضة للضغط أو عرضة للكوليسترول أو غيرها من الأمراض التي سببها الرئيسي أن مجرى الدم ينسد، فلا بد من فترة راحة حتى يتطهر هذا المجرى، فالصائم الذي ينام طوال النهار لا يحقق حكمة الصيام، لكن الذي يعمل كالمعتاد عند الظهر ينفذ الزاد فتتحول المعدة إلى المخزون الزائد لتتخلص منه من الخلايا الزائدة والدهون الزائدة فتذيبها وتقوم بتحويلها إلى مواد سهلة الامتصاص يتغذى الفرد عليها، إذاً هذه الفترة لتطهير الشرايين والأوردة والأعضاء كلها من السموم الزائدة، ومن المأكولات الزائدة الموجودة في المخازن التي أوجدها الله ليحجز فيها ما زاد عن الإنسان وقت الحاجة، فهناك مخزن تحت الجلد يخزن فيه الدهن الزائد، ومخزن في الكبد يخزن فيه السكر الزائد عن حاجة الإنسان وهذه المخازن تفرغ كل ما فيها في رمضان لأن الزيادة كما تعلمون جميعاً نتيجتها الأمراض التي نراها في عصرنا. وعلى ذلك يمكننا أن نقول أن الغرض الأول من الصيام تصحيح جسمك وتصحيح بدنك ووقاية معدتك ووقاية أعضائك من الأمراض ومن الأعراض التي يشكو منها بني الإنسان ولذلك تنبه أهل الغرب أخيراً إلى هذه الحقيقة وإن لم يؤمنوا بالإسلام، فالمصحات الطبية عندهم اليوم أحسن من المستشفيات عندنا، والعلاج الأساسي في هذه المصحات الصيام كصيام المسلمين لمدة شهر في العام تبدأ من شروق الشمس إلى غروبها، هناك مصحات في روسيا وفي المجر وفي السويد والنرويج كلها لعلاج الإنسان ليس بالأدوية ولا بالعقاقير وإنما بالصيام الذي تفضل به علينا وعليكم العلي القدير، عندما يعلم المسلم هذه الحكمة سوف يقبل على الصيام وهو فرح ومسرور.
والحكمة الثانية للصيام أنه وقاية للمجتمع لأن الصيام هو الورشة التي تصلح الضمير وما أحوجنا إلى هذا الضمير في عصرنا يا إخواني فإن كل ما نعاني منه سببه أزمة الضمير، أو كما نقول بلسان الإسلام - لأن الضمير كلمة أجنبية - المراقبة أو {الإحسَان أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإنَّهُ يَرَاك}{3}، وهذه عبادة الصائم لأنه لا يراقبه في عمله إلا الله، فلو دخل في مكان وأغلق على نفسه وأخطأ فلا يحاسبه أحد إلا الواحد الأحد. فالصائم يتمرن على مراقبة الله في صيامه فإذا دام على هذه المراقبة راقب الله في صيامه وراقبه في الأكل والشراب، وراقبه كما قلت في الأخلاق فلا يصخب ولا يسب ولا يشتم، ويراقب أعضاءه وإذا أرادت أن تتحفز يقول لها إني امرؤ صائم، يذكر نفسه ويذكر أخاه الذي أمامه، يذكر نفسه حتى لا تتحرك أعضاءه بما يغضب الله، ويذكر زميله أو رفيقه الذي يتناقش معه حتى تخمد أعضاءه وتبرد جوارحه، فلا يفكر في إيذائه فهي مسكن إلهي يسكن غضب النفوس البشرية، وصفه طبيب البشرية الأعظم صلى الله عليه وسلم. فإذا راقب الإنسان ربه وعلم أنه لو أفطر على لقمة حرام فلا فائدة من صيامه وتحرى المطعم الحلال، فلم يغش ولم يقبل الرشوة ولم ينافق ولم يداهن ولم يفعل الأفعال التي يتسم بها أهل الشقاق والنفاق بل يكون كما قال الله في شأن الملائكة الكرام {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} (6التحريم) ، فيخرج من هذا الشهر وقد استقام في مقام المراقبة وهذا هو العبد الذي نحتاجه. فإصلاح حال المجتمع الذي نحن فيه يتوقف على هذا، فلسنا محتاجين إلى أموال ولسنا محتاجين إلى مبان ولسنا محتاجين إلى مدارس ومستشفيات وإنما نحن محتاجون إلى أفراد امتلأت قلوبهم بمراقبة الله في الغدو والرواح، مثل هؤلاء يكيفون الأشياء ولا تكيفهم الأشياء، فلو وجد الطبيب يا إخوانى الذي يراقب الله يستطيع أن يجعل المسجد عيادة ويستطيع أن يحول الشارع إلى عيادة ويستطيع أن يكشف في أي مكان لأنه يراقب الرحمن عز وجل، أما إذا جهزنا المستشفى بالأجهزة الراقية ودخلها من لا ضمير ولا دين له فإنهم يعطلونها ليفتحوا عياداتهم، وهذا ما نعاني منه الآن. إذا وجد المدرس الذي يراقب الله فإنه يستطيع أن يدرس في هذا المكان ويستطيع أن يدرس في الحديقة ويستطيع أن يدرس علي حافة الطريق كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما إذا عدم هذه المراقبة ولم يكن عنده هذه المحاسبة فإنه عنده الإمكانيات ولا يكلف نفسه ولا يجهد نفسه حتى يوفر صحته وجسمه للعمل الذي يعمله في المنازل، ولا يبارك الله في ماله ولا رزقه ولا في بيته ولا في أولاده ولكنه لا يشعر بذلك. إذا توفرت هذه المراقبة للتجار لم نحتج إلى مباحث للتموينن بل إننا كلما أعددنا لائحة أعدوا المخرج منها قبل صدورها، وكلما جئنا إليهم بمباحث، احتاجت المباحث إلى مباحث آخرين وهكذا، فمن أين المخرج إذاً؟ والله لا مخرج لنا إلا إذا دربنا أنفسنا وأمرنا أولادنا ودربنا أفراد مجتمعنا على أن يراقبوا الله ويعملوا ابتغاء وجه الله وقلنا لهم أن قولوا كما قال الله تعالى، أو قولوا قول الله: {وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} (105التوبة) .
والسبيل إلى هذا المخرج والذي يقوم بكل هذا العمل يا إخواننا الصيام الصيام الصيام، فالصيام هو الذي يطهر المجتمعات من هذه المفاسد الأخلاقية وهذه الرذائل الاجتماعية التي عمَّت في مجتمعنا ولا نجد لها سبيلاً ولا نستطيع أن نفعل فيها قليلاً أو كثيراً لأننا نبحث عن حلها في غير كتاب الله وفي غير سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولذلك تذكرون أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عاشوا وليسوا بينهم محكمة واحدة جزئية أو كلية أو استئنافية أو غيرها ولا نقط للشرطة ولا مصلحة للضرائب ولا مباحث للتموين ولا مباحث لتهريب المخدرات... لماذا؟ لأن كل واحد منهم كان عنده شرطي في داخله يراقبه ويؤنبه ويوبخه إذا أخطأ أو وقع في الخطأ، وأقسم الله بعزته وجلاله بهذا الجندي فقال: {وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَة} (2القيامة)، فمعك النفس اللوامة التي تظهر عند أي شئ يغضب الله أو أي حركة لا توافق شرع الله أو أي أمر ليس على هدى سنة مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولكن والذي ليس معه النفس اللوامة لو أحطته من جميع الجهات بالقوانين والتعليمات واللوائح والتشريعات والجنود والهيئات فإنه بحيلته ومكره ودهائه يستطيع أن يفلت منهم، وقارن بين هذا وبين الذي في قلبه النفس اللوامة .... كان يذهب بنفسه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول زنيت يا رسول الله فيقول: لعلك فاخذت. يقول: زنيت يا رسول الله، فيقول: لعلك قبلت. يقول: زنيت يا رسول الله، يقول هذا وهو يعلم أنه بذلك سيقع تحت طائلة العقاب الذى يحكم به الله، ويذهب الآخر فيقول: سرقت لماذا؟ حتى يريح نفسه من وخز ضميره ومن تأنيب نفسه اللوامة التي تؤلمه وتوبِّخه بالليل والنهار ولا يستقر له قرار إلا إذا علم أنه رجع عن هذا العمل وعن هذا الإصرار وتاب لله الواحد القهار:{إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} (201الأعراف)، ومن هنا يا إخواني فالصيام وقاية ليس لها نهاية ولا نستطيع أن نتحدث عنها ولا عن بنودها في هذا الوقت القصير ولكن نكتفي بهذا القدر. قال صلى الله عليه وسلم: {لَوْ أَنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِلسَّموَاتِ وَالأَرْضِ أَنْ يَتَكَلَّمَا، لَبَشَّرَتَا مَنْ صَامَ رَمَضَانَ بِالْجَنَّةِ}{4}. وقال صلى الله عليه وسلم: {أَتَاكُمْ شَهْرُ رَمَضَانَ شَهْرُ بَرَكَةٍ فِيهِ خَيْرٌ يُغَشيكُمُ اللَّهُ فَيُنْزِلُ الرَّحْمَةَ وَيَحُطُّ فِيهِ الْخَطَايَا وَيَسْتَجِيبُ فِيهِ الدُّعَاءَ يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى تَنَافُسِكُمْ وَيُبَاهِي بِكُمْ مَلاَئِكَتَهُ، فَأَرُوا اللَّهَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ خَيْرَاً فَإنَّ الشَّقِيَّ مَنْ حُرِمَ فِيهِ رَحْمَةَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ}{5} ...أو كما قال ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة.
الخطبة الثانية:
الحمد لله الذي وفقنا لاتباع هذا الدين، ونشكره على أن اجتبانا وجعلنا مسلمين ونسأله سبحانه أن يزيدنا تقى وغنى وعفاف وهدى أجمعين. وأشهد أن لا إله إلا الله، وصف نفسه بنفسه في كلامه العلي المجيد، وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا الهالك، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم واعطنا الخير، وادفع عنا الشر، ونجنا واشفنا وانصرنا على أعدائنا يا ربَّ العالمين.
أما بعد.. فيا إخواني فالصوم وقاية لنا من عذاب النار، وإن الله يتجلى لنا في هذا الشهر العظيم فيغفر لنا ذنوبنا ونخرج منه وقد تطهرنا من الخطايا، وقد مسحت صحف سيئاتنا وأبدلها الله بحسنات. قال صلى الله عليه وسلم: {مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إيمَاناً واحْتِسَاباً، غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ}{6}، فالذنوب نوعان: ذنوب في حق الله، وذنوب في حق الخلق وهي تسمى حقوق العباد، فأما التي في حق الله فإن الله يغفرها ويخرج الإنسان منها بعد شهر رمضان وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه.
وأما حقوق العباد فلابد فيها من الحساب ولابد فيها من المساءلة ولابد فيها من العفومن صاحب الشأن، ولذا نستعد ويستعد المؤمنون لشهر رمضان بالصفح عمن أساء إليهم وإصلاح ما بينهم وبين إخوانهم وما بينهم وبين جيرانهم وما بينهم وبين ذوي رحمهم، فمن كان في صدره مشاحنة لأحد من المسلمين فليعفو عنه ويصفح عنه: {وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} (273البقرة) ، ويسامحه حتى ولو كان مخطئاً في حقه، فإن من عفا وأصلح فأجره على الله. ومن كان قاطعاً لرحمه فليواصلهم قبل أن يواصل الله بالصيام فإن الله يتجاوز عن الذنب في حقه، ولكنه أوكل ذنوب العباد وحقوق العباد إلى نفسه، وإذا كان يوم القيامة يتجلى بفضله ويقول كما ورد فى الحديث الشريف: {إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، وَبَقِيَ اللَّذِينَ عَلَيْهِمُ الْمَظَالِمُ، نَادَىٰ مُنَادٍ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ، يَا أَهْلَ الْجَمْعِ تَتَارَكُوا الْمَظَالِمَ وَثَوَابُكُمْ عَلَيَّ}{7}، وأخبر الصادق المصدوق فى رواية أخرى: {ينادي منادٍ من تحت العرش يومَ القيامة: يَا أُمَةَ مُحَمَّدٍ أمَّا ما كان لي قِبَلَكم فقد وهبته لكم وَبَقِيَتِ التَّبِعَاتُ فتَوَاهَبوها وادْخلوا الجنة برحمتي}{8}، إذاً لابد من المصالحة والمسامحة بين عباد الله المؤمنين حتى ندخل على شهر رمضان ونحن كما قال الله: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ} (47الحجر) ، يعني لا يكونون إخواناً إلا إذا نزعوا ما في صدورهم لأنها في ترتيب الآية بعد النزع ... أى بعد نزع ما فى الصدور يصبحون إخوة: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} (10الحجرات)، من هم؟ هم الذين نزعوا ما في صدورهم من الغل ومن البغضاء ومن الأحقاد لإخوانهم المؤمنين ، ذلك هو الاستعداد الأمثل لشهر رمضان
[1] عن سليمان الفارسي رواه ابن خزيمة في صحيحه والبيهقي ورواه أبو الشيخ ابن حبان في الثواب.
[2] عن معاذ بن جبل أخرجه البخارى عن أبي هريرة (الصيام جنة) رواه مسلم والنسائى والبخارى.
[3] سنن النسائي الصغرى وكثير غيرها عن أبى ذر
[4] الدَّيلمي وابن عساكر عن أَبي هدبة عن أَنسٍ رضَي اللَّهُ عنهُ
[5] عن أبي هريرة رواه النسائي والبيهقي.
[6] صحيح ابن حبان عن أبي هريرة
[7] ابن أَبِي الدُّنْيَا (فِيَّ) وابن النجار عن أَنَسٍ رضيَ اللَّهُ عنهُ، جامع المسانيد والمراسيل
[8] تخريج الإحياء للعراقى، روي فى سباعيات أبى الأعد القشيرى من حديث أنس
رضي الله عنه

للمزيد من الخطب اضغط على الرابط بالأسفل
http://www.fawzyabuzeid.com/خطبة-الجمعة-_الاستعداد-لشهر-رم…/

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق