مدونة مراقى الصالحين: - الفرق بين العصبية للإسلام و العصبية في الإسلام

الجمعة، 3 يونيو 2016

- الفرق بين العصبية للإسلام و العصبية في الإسلام


التساهل في الدين و عواقبه :

المتساهل في دينه يبغضه الله و رسوله صلى الله عليه وسلم  و الملائكة و العلماء و الأتقياء و أئمة المسلمين ، و يلحقه الذل و الهوان بين الناس ، و يسوء ذكره بعد موته ، و يلبس مَن بعده من ذريته الخزي و الخيبة و يضعف به سلطان المسلمين ، فهو شر حيا و ميتا ، و شقاء لمن بعده من آله .

المتساهل بدينه مرض عضال بين جماعة المسلمين ، الأحرى بالمسلمين أن يطاردوه بأشد مما يطاردون به السيل الجارف و الحريق المتلف و الطاعون المهلك ،  قال الله تعالى  )   إِنَّمَا جَزَاءالَّذِينَيُحَارِبُونَاللّهَوَرَسُولَهُوَيَسْعَوْنَفِيالأَرْضِ
 فَسَادًاأَنيُقَتَّلُواْأَوْيُصَلَّبُواْأَوْتُقَطَّعَأَيْدِيهِمْ  وَأَرْجُلُهُممِّنْخِلافٍأَوْيُنفَوْاْمِنَالأَرْضِذَلِكَ  لَهُمْخِزْيٌفِيالدُّنْيَاوَلَهُمْفِيالآخِرَةِعَذَابٌعَظِيمٌ(  سورة المائدة آية (33) .

بالتساهل في الدين زال سلطان المسلمين و تبدلت محاسن الحق بقبائح الباطل ، و ذل أهل العزة و عز أهل الذل ، و أصبح من يدين بعبادة الأحجار ، أو من يعبدون إنسانا أو من يعتقدون أن جسما صنعوه بأيديهم إله يعبد أو أن صورة صورها إنسان هي رب خالق أو أن إنسانا أكرمه الله بالمعجزة  - كما أكرم من قبله و من بعده من الرسل بأكمل و أعظم مما أكرمه به -  إله أو ابن إله ، ينظرون إلى الدين الحق بعين ازدراء و يقيمون الحجج الباطلة التي تلبس منتحلها الخزي و تحكم عليه أنه أقل من الجمادات ، لتجرده عن العقل الحيواني ، فضلا عن الإنساني .

كل ذلك من نتائج تساهل أدعياء الإسلام الكاذبين في دعواهم الإسلام ، لقولهم : إن التعصب للدين جمود و تقهقر ، فجروا على المجتمع فساد العقول بالخمر ، و فساد النسل بالزنا ، و فساد الأخلاق الفاضلة بالربا ، و الفشل بترك التوكل على الله ، و التفرقة بالاعتماد على النفس و حب الخير لها  و الحرص على المال و الجاه .


و المتساهل في الدين هو أشد أعداء المسلمين ، و ألد خصومهم قبل الكفار المحاربين و الأعداء المناوئين ، و الله يحفظ الإسلام و المسلمين من كل كافر بقلبه مؤمن بلسانه ، ينطق بالكلمة و يعمل لإطفاء نور الحق ، و يأبى الله إلا أن يتم نوره و لو كره الكافرون ، قال الله تعالى   )  فَسَوْفَيَأْتِياللّهُبِقَوْمٍيُحِبُّهُمْ  وَيُحِبُّونَهُأَذِلَّةٍعَلَىالْمُؤْمِنِينَأَعِزَّةٍعَلَىالْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَفِي  سَبِيلِاللّهِوَ لاَيَخَافُونَلَوْمَةَلآئِمٍ (  سورة المائدة آية(54)  .


الفرق بين العصبية للإسلام و العصبية في الإسلام :

لعل جاهلا بمراد رسول الله صلى الله عليه وسلم  يعترض عليﱠ  قائلا ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال       ( لا عصبية في الإسلام ) (1)  فاهماﹰ  - لضعف عقله -  أن مدلول كلامه صلى الله عليه وسلم  نفي التعصب مطلقا ، و هذا ما لا يقول به طفل من أطفال المسلمين ، فإن صريح لفظ الحديث الشريف بين لا يحتاج إلى توضيح ، و ذلك لأن مدلول ( لا عصبية في الإسلام ) معناه أن العصبية يجب أن تكون للإسلام ، لا في الإسلام ، فإن العصبية في الإسلام تفرقة لجماعة الإسلام  .  دليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم  لرجل فارسي من الصحابة في غزوة من الغزوات عندما قال للمشرك : خذها و أنا الفتى الفارسي ، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم  و قال له ( هلا قلت : و أنا الفتى الأنصاري )  قال له ذلك عليه الصلاة و السلام و قد  ’رئي الغضب الشديد في وجهه الكريم مما جرى على لسان ذلك القائل بكلمته التي هي عين التفرقة ، و ما ينبغي لمسلم إلا أن تكون دعواه للإسلام و كل ما يدعو إلى الاتحاد و الوئام .

و هذا الحديث الشريف المتقدم أساس من أسس الدين القويم يجلي لنا الحقيقة ، و هي قوله صلى الله عليه وسلم  ( المسلم أخو المسلم )  أي أن الأنساب و الأحساب و العصبية للآبـاء و القبائـل

(1)    يؤيد ذلك الحديث الشريف الذي رواه أبو داود في مسنده ( ليس منا من دعا إلى عصبية ،   و ليس منا من قاتل على عصبية ، و ليس منا من مات على عصبية ) .

 محيت بالإسلام ، و صار التعصب للإسلام و الشرف بالإسلام ، و الإسلام هو النسب       و الحسب ، بدليل قولهصلى الله عليه وسلم  ( كل نسب منقطع إلا نسبي )  فهذا الحديث الشريف الذي يظنه سخيف العقل حجة على ترك التعصب للدين ، نعم هو حجة ، و لكن عليه ، و برهان ، و لكن على بطلان دعواه ، لأنه نص ظاهر في وجوب التعصب بقوله ( إلا نسبي ) فهو الذي يتعصب له تعصبا تقوى به كلمة الله و تحيى به سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم  ، و لا يحسن التعصب للنسب الجسماني إلا إذا كان شرف هذا النسب بسبب الدين ، كتعصب المسلم لنسب مولانا الحسن أو الحسين ، أو تعصبه للأنصار أو الخلفاء الفاتحين فيكون تعصبا للدين .


اللهم فاشهد أني أشكرك على أن وفقتني و أعنتني على التعصب للدين ، و أسألك أن تمن علي بالصدق في التعصب للدين .

مضار ترك التعصب للدين :

إذا لم يكن المجتمع الإسلامي متعصبا للدين ، لأهملت حدوده و هتكت حرماته       و ترك العمل بأوامره ، فيستوجب غضب الله و زائد مقته ، نعوذ بالله من ذلك .

لا شك أن مجتمعنا يناله سخط الله سبحانه و تعالى بترك التعصب لدينه ، يصبح كالبهائم الراتعة تؤكل و لا تأكل ، حتى يصير المجتمع الإنساني بأجمعه كغابة اجتمعت فيها أنواع الوحوش المفترسة و حيوانات أخرى صالحة لغذائها ، فيفترس القوي الضعيف حتى يمحق بعضهم بعضا ، كما يشاهد في المجتمع الإنساني في هذا العصر من المنافسة في إعداد العدة لسفك الدماء و التفنن في اختراع الآلات الجهنمية ، لا لمحو الظلم و الضلال ، بل للاستيلاء بالظلم و الكبرياء على الأمم المستكينة الضعيفة ، كل هذا الظلم أنتجه ترك التعصب للإسلام ، و إهمال العمل بوصاياه .



مضى على المجتمع الإسلامي قرون طويلة  و هو رافل في حلل السعادة و الأمن    و الأمان ، لا فرق بين المسلم و الذمي ، لأن المسلم متعصب لدينه الذي يأمره بالرحمة      و الشفقة و حسن المعاملة و الخوف من ظلم عباد الله و النظر إلى جميع بني الإنسان بعين الرأفة و الحنان و السعي في إرشادهم إلى سعادة دنياهم و آخرتهم ، حتى تساهل المسلمون في التعصب لدينهم و نافسوا في زهرة الحياة الدنيا ، و سلت سيوفهم و صار بأسهم بينهم شديدا على أنفسهم ، و كثر عددهم و ملوكهم و ضعف يقينهم و نقصوا إيمانهم ، فذلوا بعد العز و ضعفوا بعد القوة و احتقروا بعد السيادة ، لأنهم بترك التعصب للدين تركهم الله و لم يكن معهم ، و كيف لا ؟  و مذ كانوا متعصبين لدين الله ، قليلا عددهم و عددهم ، كان الله معهم لتعصبهم لدينه ،  فما أعظم ما تفضل به سبحانه و تعالى عليهم من العز و المجد       و السيادة و السلطان في الدنيا ، و ما منحهم من حسن الأحدوثة بعد موتهم ، و ما أخفاه لهم من قرة أعين يوم القيامة ، مما لا يمكن أن يصفه الواصفون من الرضوان الأكبر و النعيم المقيم .
سعادة المجتمع الإنساني :

في التعصب للإسلام و بذل ما في الوسع للعمل بوصاياه سعادة عامة لجميع المجتمع الإنساني ، كيف لا ؟  و الإسلام إنما يعمل على عمارة القلوب بعواطف الرحمة و الحنان    و الرأفة و الشفقة ، و الحرص على كل ذي كبد رطبة ، و إيثار الغير بالخير ، و جهاد النفس على عمل الخير خالصا لوجه الله ، و المسارعة في جلب الخير لكل حي و دفع الضر عنه كائنا من كان ، مع استحضار أن كل موجود صنعه الله و أثر دال على عجائب قدرته        و غرائب حكمته ، فالمسلم يشاهد حكمة الحق و قدرته بعيون بصيرته ، و يلحظ معاني الآيات الدالة على وحدانيته و معاني أسمائه و صفاته بلطائف قلبه ، فله من جهة قلبه مشاهد روحانية تجعله مفطورا على جميل الأخلاق من العطف و الرحمة و الود و اللطف و الرغبة في نجـاة المجتمع ، بما تجمل به من القيام بواجب الشريعة الغراء ، لأنه خليفة الله المشار إليه في قوله جل شأنه  )  وَإِذْقَالَرَبُّكَلِلْمَلاَئِكَةِإِنِّيجَاعِلٌفِيالأَرْضِخَلِيفَةً(  سورة البقرة آية (30)  .



فكل مسلم كامل خليفة في الأرض عن الرب جلت قدرته ، يتصرف فيها بقدر ما استرعاه الله تعالى ، تصرفا منطبقا تمام الانطباق على الأصول التي وضعها له سبحانه ،    و الأنوار التي تنبلج في قلبه من سر قوله تعالى  )  وَاتَّقُواْ اللّهَوَ يُعَلِّمُكُمُاللّهُوَ اللّهُبِكُـلِّشَيْءٍعَلِيمٌ (سورة البقرة آية (282) ، و قوله سبحانه و تعالى )  مُّحَمَّدٌرَّسُولُاللَّهِوَ الَّذِينَمَعَهُأَشِدَّاءعَلَىالْكُفَّارِرُحَمَاءبَيْنَهُمْ(سورة الفتح آية (29) .



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق